كيف تحدث رؤية 2030 تحولًا في الاقتصاد الإبداعي السعودي؟
شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا تقوده رؤية 2030، وهي الاستراتيجية الطموحة التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتمكين المواهب المحلية، وخلق فرص جديدة في مختلف القطاعات. ويُعدّ التسويق والإعلان من بين القطاعات التي تشهد تطورًا ملحوظًا، إذ بدأت الوكالات السعودية ترسّخ مكانتها بوصفها جهات منافسة على المستويين الإقليمي والدولي.
ومنذ إطلاق رؤية السعودية 2030 عام 2016، اكتسب تنويع الاقتصاد وريادة الأعمال والتحول الرقمي وتعزيز مشاركة القطاع الخاص زخمًا متزايدًا. وقد أوجدت هذه التطورات فرصًا جديدة للشركات المحلية، ولا سيما في الصناعات الإبداعية، حيث أصبح فهم الثقافة السعودية وسلوك المستهلكين ميزة تنافسية مهمة.
ومع توسّع المملكة في قطاعات الترفيه والسياحة والتكنولوجيا والتنمية الثقافية، تؤدي وكالات التسويق دورًا متناميًا في نقل صورة هذا التحول إلى الجمهور المحلي والعالمي.
نمو صناعة الإعلان في السعودية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
شهد قطاع الإعلان تغيرات كبيرة بالتوازي مع التطور الاقتصادي والرقمي في المنطقة.
ووفقًا لبيانات شركة Ipsos، بلغ إجمالي الإنفاق الإعلاني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 5.07 مليارات دولار عام 2021، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 62% مقارنة بعام 2020.
وسجّل الإعلان عبر الإنترنت نموًا بنسبة 84%، في حين ارتفع الإنفاق على الإعلان عبر الوسائل التقليدية بنسبة 47%. وتعكس هذه الأرقام تعافي وسائل الإعلام التقليدية بالتزامن مع التسارع في اعتماد المنصات الرقمية.
وتوضح هذه المؤشرات اتساع الفرص المتاحة أمام وكالات الإعلان في المنطقة.
وقد برزت السعودية بوصفها سوقًا رئيسية ضمن هذا المشهد، مدعومةً بمجتمع متصل رقميًا، واستثمارات متزايدة، وتطوّر قطاعات جديدة في إطار رؤية 2030.
وبالنسبة إلى وكالات التسويق المحلية، أوجد هذا التحول فرصًا لتقديم خدمات تتناسب مع بيئة الأعمال السعودية المتغيرة، مع تطوير قدرات تمكّنها من المنافسة على المستوى الدولي.
عبير العيسى: قصة نجاح إبداعية سعودية
تقدّم مجموعة بولد (The Bold Group)، التي شاركت رائدة الأعمال السعودية عبير العيسى في تأسيسها، مثالًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرة المحلية والطموح الريادي في تطوير الاقتصاد الإبداعي السعودي.
بدأت عبير العيسى مسيرتها المهنية بدراسة الفنون والتصميم في البحرين، قبل أن تتابع دراساتها وتحصل على درجة الماجستير في التسويق الدولي وتطوير الأعمال في فرنسا.
وشملت بداياتها المهنية العمل منتجةً للمواد الترويجية في مجموعة MBC، ثم كاتبة إعلانات مفاهيمية في إحدى وكالات الإعلان العالمية الرائدة متعددة الجنسيات.
وبعد أن أدركت وجود فرصة لتقديم نهج مختلف في صناعة الإعلان السعودية، قررت العيسى تأسيس شركتها الخاصة.
وسجّلت وكالة Bold Agency في الرياض عام 2010. وتعود بدايات الشركة إلى عام 2011، فيما يرتبط عام 2012 ببدء عملياتها التشغيلية.
وجاء هذا القرار قبل إطلاق رؤية 2030، ما جعل «بولد» واحدة من الشركات الإبداعية السعودية التي توسّعت لاحقًا بالتوازي مع التحول الاقتصادي الذي شهدته المملكة.
وما بدأ بوصفه وكالة إبداعية صغيرة تطوّر تدريجيًا ليصبح اسمًا معروفًا في صناعة الإعلان السعودية.
من «بولد» إلى مجموعة بولد
في عام 2022، ومع مرور عقد على نمو عملياتها، تطوّرت وكالة Bold Agency إلى مجموعة بولد (The Bold Group)، التي ضمّت في بدايتها ثلاث وحدات متخصصة في بناء العلامات التجارية والتواصل والتجارب الرقمية.
ركّزت Bold Brands على تطوير هويات مميّزة وأصيلة للعلامات التجارية، من خلال الجمع بين فهم السوق المحلية والخبرة الدولية.
أما Bold Communications، فاهتمّت بسرد القصص، ومراعاة الخصوصية الثقافية، وإنتاج المحتوى الإبداعي الذي يربط العلامات التجارية بجمهورها عبر مختلف المنصات.
في المقابل، جمعت Bold Experiences بين الإبداع والتكنولوجيا لتطوير تجارب تفاعلية مؤثرة، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي.
وعكست هذه الهيكلية الطلب المتزايد على خدمات التسويق المتخصصة، بالتزامن مع توسّع الشركات السعودية في استراتيجيات التواصل الخاصة بها.
لكن تطوّر المجموعة لم يتوقف عند وحداتها الثلاث الأولى.
فاليوم، تضم مجموعة بولد سبع وكالات متخصصة، هي: Bold Brands، وBold Creatives، وBold Xperiences، وBold Influence، وCaptains Films، وTeeb Made، وSynergy Consulting.
وتقدّم هذه الوكالات مجتمعةً خدمات تشمل بناء العلامات التجارية، والتواصل الإبداعي، وتجارب العملاء، والعلاقات العامة، والإنتاج، وتصميم المنتجات، والاستشارات التجارية.
وبوجود مكاتب في الرياض والقاهرة، تضم المجموعة، وفقًا لبياناتها، أكثر من 140 متخصصًا، وقد أنجزت ما يزيد على 700 مشروع، في مؤشر على حجم التطور الذي حققته.
تقدير دولي للإبداع السعودي
ترافق نمو مجموعة بولد مع حصولها على تقدير من مؤسسات إعلانية إقليمية ودولية.
ومن أبرز إنجازاتها نيل لقب الوكالة المستقلة للعام (Independent Agency of the Year) ضمن جوائز Dubai Lynx، إلى جانب إدراجها في The Good Report 2019، الذي صنّفها ضمن الوكالات الرائدة عالميًا في مجال التواصل المسؤول اجتماعيًا.
وفي عام 2023، اختيرت عبير العيسى ضمن قائمة 40 Under 40 التي تصدرها مجلة Ad Age، تقديرًا لإسهاماتها في القطاع الإبداعي.
كما حصدت المجموعة تقديرًا ضمن جوائز Athar Awards وWINA Awards وPHNX Awards وTransform Awards.
وفي عام 2026، أُدرج اسم العيسى ضمن قائمة MENA Power List الصادرة عن Campaign Middle East، التي سلّطت الضوء على قيادتها وتأثيرها في قطاع الإعلان بالمنطقة.
وتوضح هذه المحطات كيف يمكن للوكالات التي تأسست في السعودية أن تطوّر قدرات تحظى باعتراف دولي، مع الحفاظ على هويتها الإقليمية.
رؤية 2030 والفرص المتاحة أمام الشباب السعودي
يتمثل أحد الأهداف الأساسية لرؤية السعودية 2030 في تنمية المواهب المحلية وتوسيع الفرص المتاحة أمام المهنيين الشباب.
ويسهم نمو الصناعات الإبداعية في تحقيق هذا الهدف، من خلال زيادة الطلب على الخبرات في مجالات التصميم، وبناء العلامات التجارية، والتواصل الرقمي، وصناعة المحتوى، والتقنيات الناشئة.
وبات المهنيون السعوديون يجدون فرصًا متزايدة لمتابعة مسارات مهنية إبداعية داخل الشركات المحلية، مع المشاركة في مشاريع تتجاوز أهميتها حدود السوق المحلية.
كما يبرز نمو وكالات مثل مجموعة بولد أهمية ريادة الأعمال في تطوير القطاع الخاص بالمملكة.
فبدلًا من الاعتماد الحصري على الشركات الدولية الراسخة، يعمل رواد الأعمال السعوديون على بناء مؤسسات تخلق فرص عمل، وتطوّر مهارات متخصصة، وتساهم في تنويع الاقتصاد الوطني.
وتوفر هذه البيئة فرصًا جديدة لرائدات الأعمال والمهنيين الشباب الساعين إلى ترسيخ مكانتهم في القطاعات التنافسية.
مستقبل التسويق السعودي في ظل رؤية 2030
مع استمرار المملكة العربية السعودية في تنفيذ رؤية 2030، يستعد قطاع التسويق لمواكبة التطورات في مجالات السياحة والترفيه والتكنولوجيا والاستثمار الثقافي.
ويؤثر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتسويق التجريبي والتواصل القائم على البيانات في الطريقة التي تطوّر بها الوكالات حملاتها وتتفاعل من خلالها مع الجمهور.
لكن هذه التغيرات تفرض تحديات أيضًا. إذ يتعيّن على الوكالات السعودية مواصلة الاستثمار في المواهب والابتكار والشراكات الدولية، للحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق تزداد تطورًا وتعقيدًا.
ويجسّد توسّع مجموعة بولد أحد الأساليب الممكنة لمواكبة هذه المتطلبات، من خلال تطوير قدرات متخصصة مع الحفاظ على فهم عميق للثقافة المحلية واحتياجات قطاع الأعمال.
فصل جديد في مسيرة القيادة الإبداعية السعودية
يعكس صعود وكالات التسويق السعودية تحولًا أوسع في اقتصاد المملكة ومشهدها الإبداعي.
فقد ساعدت رؤية 2030 على تهيئة بيئة تتقاطع فيها الطموحات الريادية والخبرات المحلية والفرص الدولية بصورة متزايدة.
وبالنسبة إلى شركات مثل مجموعة بولد، تُظهر الرحلة من وكالة مستقلة صغيرة إلى مؤسسة متعددة التخصصات ما يمكن أن يحققه الاستثمار المستمر في الإبداع والمواهب.
ومع استمرار التحول في المملكة، سيكون للجيل القادم من رواد الأعمال والمهنيين الإبداعيين دور مهم في رسم ملامح الحضور السعودي على الساحة العالمية.
ولن يُقاس نجاحهم بنمو شركاتهم فحسب، بل أيضًا بالفرص والقدرات والصناعات الإبداعية التي يسهمون في بنائها من أجل المستقبل.

ابقوا على تواصل معنا
تابعونا على إنستغرام:
Executive Women
تواصلوا معنا عبر لينكدإن:
Executive Women
تابعونا على فيسبوك:
Executive Women
اقرؤوا المزيد من المقالات




