خشبةٌ واحدة تتحوّل إلى حيواتٍ متعددة. فمن خلال جسدٍ واحد وأصواتٍ و شخصيّات متعدّدة، تعكس المسرحية مجتمعًا كاملا بكلّ تعقيداته، مستكشفةً الهوية والذاكرة والانتماء.
في مسرحية “القرنة البيضا” من إخراج يحيى جابر، جُرِّدت الخشبة من كل فائض، مما أتاح لجسد الممثلة أن يصبح البنية الأساسية لصناعة المعنى. فمن دون سينوغرافيا زائدة أو عناصر بصرية معقّدة تحجب أو تشتّت الانتباه، وقفت ماريا وحيدة على الخشبة، لا بوصفها شخصية منفردة، بل بوصفها مشهداً إنسانياً يختزن حيواتٍ متعددة. كان هذا التقشّف مقصوداً، إذ دعا المتلقي إلى الانتباه لا إلى الاستعراض، بل إلى الجوهر.
اعتمد يحيى جابر في إخراجه على بلاغة السكون، مما أتاح للصمت أن يتكلّم، وسمح للوقفات بأن تمتدّ بالقدر الكافي ليشعر الجمهور بثقل ما يُترك غالبًا دون قول. ضاعف هذا الاقتصاد في التعبير من قوة تحوّل ماريا بين الشخصيات. فلم يكن كل انتقال يبدو مسرحيًا لذاته، بل بدا ضروريًا، وكأنّ كل امرأة كانت تنتظر دورها لتُسمَع.

كان أكثر ما يلفت الانتباه، على نحوٍ خاص، أنّ الشخصيات لم تُقدَّم كبطلاتٍ مثاليات، ولا كضحايا مبسَّطات. بل بدت شخصياتٍ مركّبة ومعقّدة، مفعمة بالهشاشة والرقة، أحيانًا تنبض بالقوّة رغم ما يعتريها من عيوب، وأحيانًا أخرى يظهر فيها حسّ الدعابة، بل وتشارك أحيانًا في المنظومات ذاتها التي تفرض عليها القيود. وقد حال هذا التعقيد دون أن ينزلق العمل إلى خطابٍ وعظيّ مباشر، فبدلًا من ذلك تحوّل إلى مساحةٍ حوارية تدعو إلى التأمّل، بدل أن تملي حكمًا جاهزًا.
سؤال وجواب مع ماريا دويهي: «الجسد الذي حمل الشخصيات»
تتحدّث ماريا دويهي عن المهارة الكامنة خلف أدائها المسرحي.
- وقفتِ وحدكِ على خشبة المسرح، وجسّدتِ حوالى ثلاثين حياةً مختلفة بين رجالٍ ونساء. كامرأةٍ وأمّ، و أحيانا أطفال، كيف استطعتِ حمل هذا الكم من الشخصيات، وما كلفك ذلك؟
كان ذلك تحديًا كبيرًا.
أولاً، على المستوى الذهني، إذ كان عليّ استيعاب جوهر كل شخصية وفهم دوافعها وبنيتها الداخلية.
ثم على المستوى العاطفي، حيث كان عليّ أن أتحمّل نطاق كل شخصية وخصوصية مشاعرها.
أما على المستوى الجسدي، فكان لا بدّ لي من اكتشاف لغة جسد كل شخصية، وطريقة تحركها وصوتها.
والأصعب من كل ذلك كان الانتقال بسرعة من شخصية إلى أخرى كممثلة، مع نقل الجوهر الكامل لكل شخصية لتجسيدها بصدق.
ومع ذلك، فإن حمل كل هذه الشخصيات على المسرح وإحياؤها كان متعةً هائلة بالنسبة لي.
2- نشأتِ في الشمال، حيث تدور أحداث هذه القصة. هل شعرتِ، من خلال تجسيدك لهذه النساء، أنّك تُكرّمين النساء اللواتي عرفتهن؟
ماريا دويهي: تكريمهنّ كان من خلال كشف قصصهن الحقيقية، ومنحهن صوتًا عاليا يعبر عما يفكرن وما يشعرن به، وكيف تشكّلن. إلّا أن تكريمهنّ كان مقرونا بالنقد أيضًا، لأنهنّ، في الوقت نفسه، يحملن على عاتقهن مسؤولية استمرار النظام الأبوي الذي يحكم حياتهن.
3- تقول المقالة إن جسدك يروي قصصا لحيواة عديدة كاملة. كيف تعلّمتِ أن تتحدثي بوضوح شديد دون كلمات؟
ماريا دويهي: الجسد يحمل الشخصية وقصتها، ويشكّل الصوت. لذلك، فإن المرونة الصوتية مرتبطة بطريقة ما بمرونة الجسد، والعكس صحيح، وهذه أدواتنا كممثلين، نعمل عليها باستمرار لنتمكن من إتقانها بشكلٍ احترافي.
4- لقد تجسّدتِ في شخصيات متعددة. هل كانت هناك امرأة واحدة رفضت أن تغادرك بعد سقوط الستار؟
ماريا دويهي: جميعهن يبقين معي، لكن تريزا هي أكثر شخصية أعتزّ بها، لأنها تتحوّل خلال مشهدها، ومع تطوّر قصتها تجسّد بطريقة ما مثالاً حديثًا للمرأة. كما أنني أحبّ طفولتها، وصدقها، وجرأتها.
5- بعد أن أعطيت صوتًا لكل هذه الشخصيات، ماذا بقي لماريا؟ ماذا تودين أن تقولي عن نفسك؟
ماريا دويهي: نأمل أن يكون هناك جزءٌ لاحق من المسرحية سنعمل عليه لاحقًا، وهو مرتبط أكثر بالأزمنة المعاصرة والقضايا التي نعيشها اليوم. لدي الكثير لأقوله ولأستكشفه، كما أن أمامي العديد من التغييرات التي أرغب في إجرائها على المستوى الشخصي وأيضًا للجمهور.
وراء اسم واحد: ماريا. أدائها والهويات المتعددة للنساء.
في مونولوجها الأخير، لم تقتصر ماريا على الأداء فحسب، بل أصبحت وعاءً يحوي قصصا مختلفة و غنية، وأرشيفًا حيًا للأصوات التي غالبًا ما تُترك دون سماع. وهي تنتقل بسلاسة عبر ثلاثين شخصية، جسّدت النساء وبعض الرجال من أجيال وخلفيات ومسارات حياة مختلفة. بلمحة من الرأس، أو قطع لحظي متقن لنفسها، أو تغير في النبرة، كانت كل شخصية تنبض بالحياة، مكتملة وواضحة المعالم. ومشاهدتها كانت كأنك تشهد الذاكرة نفسها تتجسّد على الخشبة، دقيقة، متقنة، وإنسانية إلى أقصى حد.
ما جعل هذا الأداء مؤثرًا على نحو خاص هو التساؤل الصامت الذي يتردد صداه في أنحاء العالم العربي: كيف تُسمّى المرأة، ومن ثم كيف تُعرف؟
بالنسبة للكثيرين، تُستمد هوية المرأة من علاقاتها: أولاً كبنت (ابنة فلان)، ثم كزوجة (زوجة فلان)، ولاحقًا، وربما، كأم (أم جاد). أما اسمها الخاص، وذاتها الحقيقية، فغالبًا ما تُدفن تحت الأدوار التي تحملها.
أدى أداء ماريا إلى تسليط الضوء على السخرية الكامنة في هذا النمط. فعندما تتجاوز المرأة هذه التسميات، قد يجد المجتمع صعوبة في إدراك جوهرها. ومع ذلك، فإن جهدها، ورعايتها، وحضورها في كل مراحل الحياة، هو ما يُحافظ على الأسرة والمجتمع والثقافة. ومن خلال أدائها، ذكّرتنا ماريا بأن المرأة ليست مجرد ما تسمّى به؛ بل هي كل ما تحمله، وكل ما تصبح عليه، وكل ما تمنحه.
يبرز إخراج جابر تركيزًا على الوضوح والنية. فالدسينوغرافيا البسيطة وحضور ماريا الفردي يتيحان للجمهور الانتباه كليًا للتجربة الإنسانية التي أحيّاها هو وماريا على الخشبة.
فما يجعل مسرحية «القرنة البيضا» استثنائية هو الطريقة التي استطاع بها يحيى جابر أن يلتقط جوهر المجتمع اللبناني الشمالي، من خلال دراسة دقيقة وتعاون وثيق مع ماريا، ابنة هذا المجتمع…
والنتيجة هي هذا النص المتقن من إعداد جابر، الذي يبدو في الوقت نفسه حيويًا ومحدد المعالم، حيث صُممت كل جملة، وكل وقفة، وكل حركة بعناية لتعكس إيقاعات المجتمع، وتوتراته، وملمسه الاجتماعي.
ومن خلال هذا البناء المتمعّن، تتحوّل المسرحية إلى أكثر من مجرد قصة، فهي انعكاس حيّ للمجتمع، مصاغ بأصالة وصدق، وباهتمام استثنائي بالتفاصيل.

النساء كتراث حيّ: حاملات للذاكرة وصانعات للثقافة.
تجاوز أداء ماريا مسألة الهوية والتسمية ليكشف عن حقيقة أعمق: فالنساء لسن مجرد جزء من التراث، بل غالبًا ما هنّ من يشكّلنه ويجسّدنه وينقلنه عبر الأجيال. من القرى إلى المدن، يُحفظ التاريخ غالبًا ليس في النُصُب التذكارية، بل في الطقوس اليومية التي تحافظ عليها النساء.
عكست شخصياتها كيف تنتقل الثقافة عبر أيدي وأصوات النساء: في تحضير الطعام، وصياغة التقاليد، وإيقاع الحياة الجماعية، واستمرارية المعتقدات.
فمثلا وصفة «الكبّة النيّة» ليست مجرد إبداع طبخي، بل هي منظومة معرفية موروثة، تُقاس باللمس والذاكرة والسرد الشفهي، لا بالتعليمات المكتوبة. ومن خلال هذه الممارسات، تصبح النساء حارسات للذوق والزمان والانتماء.
وينطبق الشيء نفسه على فرن القرية وأماكن التجمع، حيث يتحوّل العجين إلى خبز، وتصبح الحياة اليومية سردًا مشتركًا. حول هذه الأفران تُتبادل القصص، وتولد الأقوال، وتتوطّد الروابط المجتمعية. لقد ربط وجود النساء في هذه المساحات منذ زمن بعيد بين التغذية والذاكرة الاجتماعية، جامعًا بين العمل واللغة، والروتين والطقوس.
وقد أظهرت تجسيدات ماريا لهذه الطبقات بعدًا آخر: كيف حملت النساء عبر التاريخ الإيمان والشعر والتقليد الشفهي داخل النطاقين المنزلي والمجتمعي. فالمواويل، والتهويدات والأمثال، والأشعار الشعبية غالبًا ما تنتقل من الجدة إلى الأم ثم إلى الطفل، لتشكّل أرشيفًا غير مرئي لهوية جماعية. ورغم أن هذه التعبيرات قد تبدو حميمة وشخصية، فإنها تشكّل وعيًا ثقافيًا للمجتمعات بأسرها.
من خلال هذه المسرحية، لم يكن أداء ماريا مجرد سرد مسرحي، بل كان انعكاسًا لكيفية تحول النساء أنفسهن إلى أوعية للتاريخ – يشكّلن الثقافة ليس فقط عبر الإنجازات العامة، بل من خلال الأفعال اليومية التي تحافظ على المجتمع والذاكرة والمعنى.
من خلال لغة جسدها وحدها، رسمت ماريا قصص حياة كاملة: تردّد العروس الشابة، وإيقاع الأم العاملة المتوازن، والسكون المتعب والمهيب لكبيرة السن. وكان صوتها يحمل التاريخ؛ أحيانًا شعريًا وملحميًا كالشعر الموروث، وأحيانًا حميميًا كالصلوات الدافئة، وفي أحيان أخرى حادًا بما يحمله من حقيقة.
وانفتح النص كنسيج من التقاليد والذكريات والفكاهة والتفاني؛ وقد حملته ماريا بذكاء عاطفي نادر جعل كل عنصر يبدو حيًا ومُعاشًا، لا مجرد نص مُتلىّ.
تماشيا مع رؤية Executive-Women Global، يتيح أداء ماريا فرصة للتأمل في دور القيادة والهوية.
فالنساء في المنطقة – وحول العالم – يواصلن التنقل بين أدوار متعددة في آن واحد: محترفات، ومقدِّمات رعاية، ومبدعات، وعوامل توازن المجتمع، وحارسات للتراث. غالبًا ما يسبق تأثيرهن الاعتراف الرسمي، ويكون أثرهن نظاميًا حتى عندما لا تحملن ألقابًا رسمية. يذكّرنا مونولوج ماريا بأن التمثيل ليس مجرد شغل مساحة، بل هو رواية قصص تكشف مدى تأثير النساء العميق في تشكيل هذه المساحة بالفعل.
لم تكتفِ ماريا بتجسيد الشخصيات؛ بل أعادت الأسماء والتواريخ والأصوات إلى الحياة. ويقف عملها كتذكير بأنّه عندما تطالب النساء بحق تأليف سردياتهن الخاصة – على الخشبة، وفي المؤسسات، وفي المجتمع – تتحوّل الهوية من أمر مفروض إلى أمر مملوك وذاتي.
في النهاية، تذكّرنا مسرحية «القرنة البيضا» بأن الهوية ليست شيئًا يُمنح، بل شيئًا يُطالب به. من خلال صوت وماريا وتصميم يحيى جابر المدروس بعناية، تحوّلت الخشبة إلى مساحة لا تُحدد فيها النساء بأدوارهن، بل بحضورهنّ ذاته. وفي هذا الحضور، وقفت قصصهن كاملة، معقدة، وبلا شك، ملكًا لهنّ وحدهن.
ابقَ على تواصل:
تابعونا على إنستغرام:
https://www.instagram.com/executivewomen_/
تواصلوا معنا على لينكدإن:
https://www.linkedin.com/company/executive-women/
أعجبوا بصفحتنا على فيسبوك:
https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/
اقرأوا المزيد من المقالات:
https://executive-women.global/loreal-paris-lebanese-women-at-its-2025/




