المقدمة: صناعة بنتها النساء… لكن قلّما يتولين قيادتها
عند دخولك إلى أي فندق أو مطعم أو منتجع تقريبًا، ستلاحظ حقيقة لافتة.
فالنساء حاضرات في كل مكان.
إنهن يستقبلن الضيوف عند مكتب الاستقبال، وينسقن الفعاليات، ويُدرن فرق التدبير الفندقي، ويشرفن على علاقات الضيوف، ويعالجن عشرات التحديات اليومية خلف الكواليس.
وغالبًا ما يكنّ الواجهة التي تمنح الضيافة طابعها الإنساني.
لكن عندما تنظر إلى المكاتب التنفيذية، وغرف مجالس الإدارة، والمناصب القيادية العليا، تتغير الصورة بصورة واضحة.
فالنساء يشكلن النسبة الأكبر من القوى العاملة في قطاع الضيافة عالميًا، ومع ذلك لا يزلن ممثلات تمثيلًا محدودًا في المناصب القيادية العليا. ورغم أن العديد من المؤسسات تتحدث عن التنوع والشمول، فإن فرص الوصول إلى القيادة ما زالت تميل لصالح الرجال، لا سيما في الإدارة التنفيذية، وملكية الفنادق، وصنع القرارات الاستراتيجية.
وهذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا:
إذا كانت النساء يحظين بالثقة لتقديم تجارب استثنائية للضيوف كل يوم، فلماذا لا تُمنحن الثقة نفسها لرسم مستقبل هذه الصناعة؟
ولحسن الحظ، بدأت هذه الصورة تتغير.
ففي مختلف أنحاء العالم، تنجح أعداد متزايدة من النساء في اختراق الحواجز التقليدية التي طالما أعاقت وصولهن إلى القيادة، ويثبتن أن قطاع الضيافة يحقق أداءً أفضل عندما تعكس قيادته التنوع الحقيقي لقواه العاملة.
أين يتحقق التقدم؟
شهد قطاع الضيافة خلال العقد الماضي تطورًا مشجعًا.
فقد بدأت العلامات الفندقية العالمية تعيّن المزيد من النساء في مناصب المدير العام، ونائب الرئيس الإقليمي، والرئيس التنفيذي، وعضوية مجالس الإدارة.
وهؤلاء القياديات لا يشغلن المناصب فحسب، بل يقدن تحولًا حقيقيًا في ثقافة المؤسسات.
فالعديد منهن يعتمدن نماذج قيادية تقوم على التعاون، والذكاء العاطفي، وتعزيز مشاركة الموظفين، والاستثمار طويل الأمد في تطوير المواهب.
وبدلًا من الاكتفاء بأسلوب الإدارة التقليدي القائم على إصدار الأوامر من الأعلى إلى الأسفل، يركزن على التواصل الفعّال، والإرشاد المهني، والابتكار، واتخاذ القرارات بصورة أكثر شمولًا ومشاركة.
وقد انعكس هذا التحول على أداء المؤسسات بصورة ملموسة.
فالمؤسسات التي تتمتع بقيادات أكثر تنوعًا تحقق غالبًا:
- ارتفاعًا في مستوى رضا الموظفين.
- انخفاضًا في معدلات دوران الكفاءات.
- ولاءً أكبر من العملاء.
- أداءً ماليًا أفضل.
- قدرة أعلى على الابتكار والتكيف مع التغيرات.
كما تتصدر النساء اليوم النقاشات المتعلقة بالاستدامة، ورفاهية الموظفين، وسياسات العمل المرنة، والمسؤولية المجتمعية، وهي قضايا أصبحت من الركائز الأساسية في قطاع الضيافة الحديث.
وربما تكون أهم نتيجة لهذا التقدم أن كل امرأة تصل إلى منصب قيادي رفيع تصبح دليلًا حيًا على أن النجاح ممكن للأجيال القادمة.
فالتمثيل الحقيقي يخلق فرصًا حقيقية.
ما الذي يعيق وصول النساء إلى القيادة؟
على الرغم من التقدم الملحوظ، لا تزال العديد من التحديات قائمة.
فالكثير من النساء يبدأن مسيرتهن المهنية بالمؤهلات نفسها، والطموح ذاته، ومستوى الأداء الذي يتمتع به زملاؤهن الرجال.
لكن مع التقدم في السلم الوظيفي، تبدأ مسارات الترقي في التضيق.
ومن أبرز العوائق استمرار ما يُعرف بـ “شبكات العلاقات المغلقة“ أو “نادي الرجال“.
فغالبًا ما تنشأ فرص القيادة من خلال العلاقات غير الرسمية، والشبكات المهنية القديمة، والدوائر التنفيذية التي ظلت تاريخيًا أقل انفتاحًا أمام النساء.
وبالتالي، لا يعتمد التقدم المهني على الكفاءة وحدها، بل يتأثر أيضًا بإمكانية الوصول إلى المرشدين المؤثرين، والداعمين المهنيين، والظهور أمام صناع القرار في المناصب العليا.
ويبرز أيضًا تحدٍ آخر يتمثل في التحيز اللاواعي.
ففي كثير من الأحيان، يُتوقع من النساء إثبات مستوى استثنائي من الكفاءة قبل حصولهن على الفرص نفسها التي تُمنح للرجال بسهولة أكبر.
فالقيادة الحازمة قد تُفسَّر لدى الرجل على أنها ثقة بالنفس، بينما قد تُواجَه لدى المرأة بتفسيرات مختلفة أو أحكام غير منصفة.
ويفرض قطاع الضيافة تحديات إضافية بطبيعته.
فالمناصب التنفيذية تتطلب في كثير من الأحيان الانتقال إلى مدن أو دول أخرى، والسفر المستمر، وساعات عمل غير منتظمة، والاستعداد الدائم للتعامل مع متطلبات العمل.
وغالبًا ما تؤثر هذه المتطلبات بصورة أكبر على النساء، خاصة في المجتمعات التي لا تزال تتحمل فيها المرأة النصيب الأكبر من مسؤوليات رعاية الأسرة.
إضافة إلى ذلك، ما زالت النساء ممثلات بنسبة محدودة في مجالات ملكية الفنادق والاستثمار الفندقي.
وبما أن الملكية تمنح نفوذًا أكبر في صناعة القرار، فإن محدودية الوصول إلى رأس المال تخلق سقفًا زجاجيًا آخر، أقل وضوحًا لكنه لا يقل تأثيرًا.
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في نقص الكفاءات.
بل في غياب تكافؤ الفرص.
التكلفة النفسية لفجوة القيادة
لا تؤثر فجوة القيادة في المسار المهني للنساء فحسب، بل تمتد آثارها إلى الثقة بالنفس، والهوية المهنية، والصحة النفسية.
ويصف علماء النفس ظاهرة تُعرف باسم “تهديد الصورة النمطية” (Stereotype Threat)، وهي الحالة التي يصبح فيها الفرد أكثر وعيًا بالأفكار المسبقة المرتبطة بالمجموعة التي ينتمي إليها.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الوعي إلى الشك في الذات، وزيادة القلق، والتردد عند مواجهة المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية.
فالمرأة التي تعمل في بيئة تنفيذية يهيمن عليها الرجال قد تشعر بأنها مطالبة بإثبات جدارتها باستمرار.
وهذا يخلق استنزافًا نفسيًا وعاطفيًا كبيرًا.
كما تعاني كثير من النساء مما يعرفه علماء النفس باسم “متلازمة المحتال” (Imposter Syndrome).
وهي الاعتقاد المستمر بأن النجاح الذي حققنه لا يستحقنه، رغم وجود أدلة واضحة على كفاءتهن وإنجازاتهن.
بل إن كثيرًا من القياديات الناجحات يعشن خوفًا دائمًا من أن يكتشف الآخرون أنهن أقل كفاءة مما يعتقدون.
وتشير الدراسات إلى أن هذه المشاعر لا تنتج عن نقص في القدرات.
بل غالبًا ما تنشأ في بيئات عمل نادرًا ما يرى فيها الأفراد أشخاصًا يشبهونهم في مواقع القيادة.
ولهذا، فإن التمثيل القيادي لا يغيّر الأرقام فقط، بل يغيّر القناعات أيضًا.
فعندما ترى النساء مديرات تنفيذيات، ومالكات فنادق، ومديرات إقليميات، وعضوات في مجالس الإدارة، تتوسع بصورة تلقائية حدود ما يعتقدن أنه ممكن.
فتصبح القيادة هدفًا يمكن تخيله وتحقيقه، لا امتيازًا يبدو محصورًا بغيرهن.
ويلعب الأمان النفسي دورًا محوريًا في هذا السياق.
فالموظفون يقدمون أفضل ما لديهم عندما يشعرون بالاحترام، وأن أصواتهم مسموعة، وأن مساهماتهم موضع تقدير.
والقيادة الشاملة تخلق بيئات عمل يشعر فيها الجميع بالراحة عند طرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء، وطرح الأسئلة، والمشاركة في الابتكار دون خوف من الانتقاد أو التقليل من شأنهم.
وفي النهاية، يقوم قطاع الضيافة على العلاقات الإنسانية.
والمبادئ النفسية نفسها التي تصنع تجربة استثنائية للضيف، هي ذاتها التي تبني بيئات عمل ناجحة ومزدهرة.
كيف يمكن للنساء كسر السقف الزجاجي؟
يتطلب تجاوز الحواجز المهنية إرادة قوية من الأفراد، والتزامًا حقيقيًا من المؤسسات.
وبالنسبة للنساء الطامحات إلى الوصول للمناصب القيادية، يبدأ التقدم المهني بالنمو المقصود والتطوير المستمر، لا بانتظار الفرص حتى تأتي.
ابنين شبكة علاقات استراتيجية
العلاقات المهنية تصنع الفارق.
ولا ينبغي أن يقتصر بناء العلاقات على الفريق المباشر داخل المؤسسة، بل يجب أن يمتد إلى الجمعيات المهنية، والمؤتمرات، والمنتديات التنفيذية، ومنظمات القيادة.
فالشبكات القوية تمنحك حضورًا أكبر، وتفتح أبوابًا لفرص قد لا تكون متاحة بغيرها.
ابحثن عن المرشدين… والرعاة المهنيين
هناك فرق مهم بين المرشد المهني (Mentor) والراعي المهني (Sponsor).
فالمرشد يقدم النصح، ويشارك خبراته، ويساعدك على تطوير مهاراتك.
أما الراعي المهني، فيذهب إلى أبعد من ذلك.
فهو يدافع عنك عند مناقشة الترقيات، ويرشحك للمناصب القيادية، ويمنحك فرصة الوصول إلى صناع القرار.
وكلاهما عنصر أساسي في بناء مسيرة قيادية ناجحة.
طوّرن خبراتكن المالية والتشغيلية
لم تعد القيادة اليوم تقتصر على إدارة تجربة الضيف.
فالقيادات التنفيذية مطالبة بفهم الجوانب المالية والاستراتيجية للأعمال.
لذلك، ينبغي للنساء الراغبات في الوصول إلى المناصب العليا تطوير معارفهن في مجالات مثل:
- إدارة الإيرادات.
- التمويل والمحاسبة.
- الاستثمار الفندقي.
- إدارة الأصول.
- التكنولوجيا.
- استراتيجيات الأعمال.
فكلما اتسعت الخبرة التجارية، ازدادت المصداقية على طاولة القيادة.
ابحثن عن فرص الملكية وريادة الأعمال
القيادة لا تعني دائمًا الترقية داخل مؤسسة قائمة.
فالعديد من النساء يصنعن تأثيرهن من خلال تأسيس مشاريعهن الخاصة، مثل:
- الفنادق البوتيكية.
- شركات الاستشارات الفندقية.
- شركات السفر الفاخر.
- المنتجعات الصحية.
- الشركات الناشئة في تكنولوجيا الضيافة.
وتمنح ريادة الأعمال النساء فرصة للمساهمة المباشرة في رسم مستقبل القطاع، بعيدًا عن القيود التقليدية.
استثمرن في بناء الثقة القيادية
الثقة بالنفس لا تأتي فجأة.
بل تُبنى من خلال الخبرة، والاستعداد، والتعلم المستمر.
ويمكن للدورات القيادية، والتدريب التنفيذي، ومهارات التحدث أمام الجمهور، والعمل في مشاريع متعددة التخصصات أن تسهم جميعها في تعزيز الحضور القيادي.
والأهم من ذلك…
لا تنتظرن الشعور بأنكن “جاهزات تمامًا”.
فكثيرًا ما يؤدي انتظار الكمال إلى ضياع الفرص.
فالنمو الحقيقي يبدأ عندما نقبل التحديات قبل أن نشعر بالثقة الكاملة.
ما الذي يجب على المؤسسات فعله؟
لن يتحقق التغيير الحقيقي بمجرد الاحتفال باليوم العالمي للمرأة.
بل يحتاج إلى أن تبني مؤسسات الضيافة أنظمة واضحة ومستدامة لاكتشاف القيادات النسائية، وتطويرها، وتمكينها من الوصول إلى مواقع صنع القرار.
ويشمل ذلك:
- وضع معايير واضحة وشفافة للترقية.
- توفير فرص متساوية للتطوير القيادي.
- إنشاء برامج للرعاية التنفيذية (Executive Sponsorship).
- تصميم مسارات مهنية مرنة.
- اعتماد خطط عادلة لتعاقب القيادات.
- تشكيل لجان توظيف متنوعة.
- مراجعة سياسات الأجور لضمان العدالة والمساواة.
- اعتماد سياسات عمل داعمة للأسرة وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
كما ينبغي للقادة ألا يكتفوا بإعلان النوايا، بل أن يقيسوا التقدم بالأرقام.
فما يمكن قياسه…
يمكن تحسينه.
وغالبًا ما تحقق المؤسسات التي تتابع مؤشرات التنوع في المناصب القيادية مستويات أعلى من المساءلة، ونتائج أسرع وأكثر استدامة.
مستقبل قطاع الضيافة يعتمد على قيادة أكثر شمولًا
لطالما كان قطاع الضيافة قائمًا على الإنسان قبل أي شيء آخر.
فقوته الحقيقية تكمن في فهم الثقافات المختلفة، وبناء العلاقات الإنسانية، وصناعة تجارب تجعل الناس يشعرون بالترحيب والانتماء.
ولهذا، يجب أن تعكس القيادة هذه القيم نفسها.
ومع التطور المتسارع الذي يشهده قطاع السفر عالميًا، وازدياد تطلعات الضيوف، وتنامي التنوع داخل بيئات العمل، لم يعد بإمكان المؤسسات أن تغفل نصف الكفاءات القيادية المتاحة.
فعلى مدى عقود، لعبت النساء دورًا محوريًا في تشكيل تجربة الضيف.
من مكتب الاستقبال…
إلى المطبخ…
إلى أقسام المبيعات…
وقاعات الفعاليات…
ومختلف المواقع التشغيلية التي تُبقي قطاع الضيافة نابضًا بالحياة.
واليوم، لم يعد تأثيرهن يقتصر على العمليات اليومية.
بل أصبحن يساهمن بصورة متزايدة في رسم استراتيجيات الشركات، واتخاذ القرارات الاستثمارية، وقيادة مجالس الإدارة، وصياغة مستقبل هذه الصناعة على المستوى العالمي.
إن كسر السقف الزجاجي في قطاع الضيافة لا يتعلق فقط بتحقيق العدالة أو تكافؤ الفرص.
بل يتعلق ببناء شركات أكثر قوة.
وبيئات عمل أكثر صحة واستقرارًا.
ومؤسسات أكثر قدرة على الابتكار، والتكيف، وتحقيق النمو المستدام.
فمستقبل الضيافة سيكون من نصيب القادة الذين يدركون أن التنوع ليس مجرد مبادرة مؤسسية أو شعارًا للمسؤولية الاجتماعية.
إنه ميزة تنافسية حقيقية.
وعندما تحصل النساء على الفرص نفسها للقيادة، فإن المستفيد لا يكون المرأة وحدها.
بل ترتقي الصناعة بأكملها معها.

ابقَ على تواصل مع Executive Women Global
تابعونا على Instagram:
https://www.instagram.com/executivewomen_/
تواصلوا معنا عبر LinkedIn:
https://www.linkedin.com/company/executive-women/
أعجبوا بصفحتنا على Facebook:
https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/
اقرؤوا المزيد من المقالات:
https://executive-women.global/making-a-job-from-a-hobby-you-love-by-pamela-sakha/



