المهارات تفتح الأبواب والأخلاق تصنع المستقبل – بقلم كوزيت عوّاد

The Unbuyable Asset: Why Character is the Only Currency That Matters

نعيش اليوم في عصر تطوير المهارات، حيث أصبحت المعرفة أكثر العملات انتشارًا وسهولة في الوصول إليها.

تمتلئ منصات لينكدإن بالشهادات والدورات التدريبية. وتَعِدُ المعسكرات التعليمية بتحويل أي شخص إلى مبرمج خلال ستة أسابيع فقط. كما تختصر البودكاستات عقودًا من الخبرة في حلقات لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة.

لقد أصبحنا مهووسين بآليات اكتساب المهارات، حتى باتت المهارة أشبه بعملة يمكن اكتسابها، وإنفاقها، ثم استبدالها بأخرى أكثر حداثة.

بل إننا نؤمن بأن الوقت، والمال، والإنترنت كفيلة بتعليم أي شخص أي مهارة. وأصبحنا نعتبر الكفاءة مجرد صفقة تنتظر التنفيذ.

ومع ذلك، هناك حدٌّ لا يمكن لأي تدريب أن يتجاوزه.

المقولة التي تغيّر كل شيء

انتشرت مؤخرًا صورة على الإنترنت تحمل عبارة تقول:

“يمكن تعليم المهارات خلال أشهر، أما الأخلاق فتُبنى على مدار العمر. وظّف الأشخاص بناءً على ما لا يستطيع الزمن إصلاحه.”

هذه العبارة ليست مجرد جملة جميلة تصلح لملصق في قسم الموارد البشرية، بل تمثل فلسفة عميقة لاختيار الأشخاص الذين ندخلهم إلى حياتنا وأعمالنا.

فالمهارات هي التي تُشغّل الآلة، لكن الأخلاق هي التي تمسك بعجلة القيادة. ولهذا، فإن أسوأ عجلة قيادة قادرة على تحطيم أقوى محرك مهما بلغت قيمته.

وهم “الشخص الذي يمكن إصلاحه”

في عالم الأعمال، لا يزال هناك اعتقاد خطير يُعرف بعقلية يمكن إصلاحه لاحقًا.”

فالبعض يظن أن التدريب سيغيّر الموظف السام. وآخرون يعتقدون أن الرقابة الصارمة ستجعل الشخص غير الأمين أكثر نزاهة. كما يراهن البعض على الأنشطة الجماعية لتليين شخصية العبقري المتعجرف.

لكن هذه الافتراضات غالبًا ما تؤدي إلى أخطاء باهظة الثمن.

تأمل قيمة الصدق. فإذا افتقر الشخص إلى النزاهة، فلن تتمكن أي ورشة عمل من تعليمه قول الحقيقة.

وتأمل التعاطف. فإذا كان عاجزًا عن الاهتمام بالآخرين، فلن تُجبره أي تمارين تمثيلية على الشعور الحقيقي بالرحمة.

أما الصلابة النفسية، فإذا لم يمتلكها منذ البداية، فلن تمنحه إياها أي عرض تقديمي أو دورة تدريبية.

المهارات تجيب عن سؤال “ماذا يستطيع أن يفعل؟”

أما الأخلاق فتجيب عن سؤال “من هو هذا الإنسان؟”

يمكنك تعليم شخص استخدام Excel أو Salesforce أو  Python، كما يمكنك تدريبه على البيع والتفاوض وإدارة المشاريع.

وربما، إذا امتلكت وقتًا كافيًا، ستتمكن حتى من تعليم سمكة تسلق شجرة.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل ترغب السمكة أصلًا في تسلق الشجرة؟ وهل تفعل ذلك للأسباب الصحيحة؟

الأخلاق هي الحَكَم الحقيقي لثقافة المؤسسة

الأخطاء التقنية تكلف المال، أما الأخطاء الأخلاقية فتكلّف البشر. فنقص المهارة قد يؤدي إلى تأخير مشروع. أما نقص الأخلاق، فيؤدي إلى كسر الثقة.

والأولى يمكن علاجها بساعات عمل إضافية.

أما الثانية، فقد تترك جرحًا دائمًا داخل الفريق.

في الأوقات الهادئة تبرز المهارات، لكن في أوقات الأزمات تنكشف الأخلاق.

لاحظ أن المقولة تؤكد على توظيف الأشخاص بناءً على ما لا يستطيع الزمن إصلاحه.”

فالوقت يمنحنا المعرفة، لكنه يكشف فقط حقيقة النفوس. ومع مرور الأشهر والسنوات، لا تبقى شخصية الإنسان مخفية، بل تصبح واضحة للجميع. وعندما توظف شخصًا سيئ الأخلاق، فأنت لا توظف مشكلة واحدة، بل توظف مصدرًا لمشكلات لا تنتهي. ذلك الشخص سيتعامل مع العملاء، والموردين، وزملائه. وسينقل سلوكه السلبي داخل المؤسسة كما ينتشر الفيروس.

تغيير طريقة التوظيف

غالبًا ما نجري المقابلات اعتمادًا على السيرة الذاتية. نسأل عن المشاريع السابقة، والتحديات التقنية، والإنجازات، بينما ننجذب إلى بريق الخبرة ونغفل ما هو أهم.

لكن إذا كنا نؤمن فعلًا بأن الأخلاق هي الأساس، فعلينا أن نغيّر طريقة المقابلات.

علينا أن نسأل عن الفراغات الموجودة في السيرة الذاتية، وأن نستكشف لحظات العواصف، لا أيام النجاح فقط. بدلًا من الاكتفاء بسرد الإنجازات، يجب أن نحاول التعرف إلى الإنسان الكامن خلفها.

اسأل عن الإخفاقات.

لا تكتفِ بمعرفة ما الذي حدث، بل اسأل: من كنت في تلك اللحظة؟

هل ألقيت اللوم على الآخرين؟

أم تحملت مسؤوليتك؟

هل اختبأت؟

أم واجهت الحقيقة؟

واسأل عن الخلافات.

ليس فقط كيف انتهت، بل هل استمعت بصدق للطرف الآخر؟

هل سعيت إلى الفهم قبل أن تطالب بأن يفهمك الآخرون؟

أم كنت تنتظر دورك في الكلام فقط؟

واسأل أيضًا عن النجاح.

هل شاركت الآخرين الفضل؟

أم احتفظت بالأضواء لنفسك؟

هل رفعت من حولك؟

أم تجاهلت مساهماتهم؟

هذه الأسئلة لا تقيس المعرفة. بل تكشف البنية الداخلية للشخص. وتظهر ما لن تجده في أي شهادة أو برنامج تدريبي.

فالسيرة الذاتية تحكي ما أنجزه الإنسان. أما المقابلة، فيجب أن تكون أشبه بتحقيق يكشف حقيقته عندما لا يراقبه أحد.

الرهان الطويل

ولا يقتصر هذا الدرس على الآخرين فقط، بل يجب أن نطبقه على أنفسنا أيضًا. فهذه المقولة تعمل كمرآة.

نحن نستثمر وقتًا هائلًا في بناء صورتنا الخارجية. نتعلم لغات جديدة. ونطارد المهارات المطلوبة في سوق العمل. ونحدّث ملفاتنا المهنية باستمرار. ونصقل صفحاتنا على لينكدإن حتى تبدو مثالية.

لكن…

كم من الوقت نستثمر في بناء شخصيتنا؟

هل نُنمّي الصبر؟

هل نرسّخ الصدق؟

هل نواجه تحيزاتنا وأخطائنا قبل أن نحاول إخفاءها؟

نعيش في عالم يعشق السرعة. نريد إصلاح كل شيء بسرعة. الإطار المثقوب والخلل البرمجي والحملة التسويقية الفاشلة…

لكن الأخلاق ليست شيئًا يمكن اختراقه أو تنزيله. لا يمكنك تحميل النزاهة. ولا توجد حيلة ذكية تمنحك الاستقامة.

بل تُبنى الأخلاق عبر آلاف القرارات الصغيرة. وعبر معارك يومية صامتة. وعبر اختيار الصواب الصعب بدلًا من الخطأ السهل، مرة بعد أخرى.

الحكم الأخير

وأنت تختار أعضاء فريقك، أو شركاءك، أو حتى أصدقاءك، تذكّر دائمًا:

يمكنك تعليم نظام جديد. لكن لا يمكنك تعليم روح جديدة.

درّب المهارة. وطوّر المهارة. وقدّر المهارة. لكن راهن على الأخلاق.

راهن على الشخص الذي يساندك عندما يفشل المشروع وعلى من يعترف بخطئه بدلًا من إخفائه.

وفوق كل شيء، اختر الإنسان الذي يجعل من حوله أفضل بمجرد وجوده.

فعندما ينتهي كل شيء…

وتُغلق المشاريع وتُحفظ الجداول الإلكترونية وتُصرف الأرباح… لن نتذكر الأكواد البرمجية المبهرة، ولا الحملات التسويقية الذكية. بل سنتذكر الإنسان الذي وقف إلى جانبنا.

في عالم يمكن فيه تعليم كل شيء تقريبًا، اختر الأشخاص الذين لا يمكن شراؤهم.

اختر الأخلاق فهي الشيء الوحيد الذي يبقى.

أزمة جديدة في التسويق: المؤثرون لم يعودوا وحدهم... فمن هم توائمهم الأشرار؟ بقلم كوزيت عوّاد

ابقَ على تواصل مع Executive Women Global

Executive Women

Writer & Blogger

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Edit Template

Press ESC to close

Cottage out enabled was entered greatly prevent message.