تشكيل الذكاء… وصناعة الغد بقلم: البروفيسورة الدكتورة ندى ملاح بستاني

Shaping Intelligence, Shaping Tomorrow By Prof. Dr. Nada Mallah Boustani

يشهد الذكاء الاصطناعي تحولًا متسارعًا يعيد تشكيل أساليب عملنا، وقيادتنا، وتوظيفنا، واستثماراتنا، واتخاذنا للقرارات. فمن فرز طلبات التوظيف وتقييم أداء الموظفين إلى الموافقة على القروض وإعداد التحليلات الاستراتيجية، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة المؤسسية. ولا شك أن اتساع نطاق استخدامه يحمل وعودًا كبيرة بزيادة الكفاءة وتعزيز الموضوعية. إلا أنه، خلف هذا الزخم التقني، يبرز سؤال جوهري:

من الذي يصوغ الذكاء الذي سيصوغ مستقبلنا؟

وبالنسبة للمرأة، فإن الإجابة عن هذا السؤال بالغة الأهمية.

غالبًا ما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محايدًا وموضوعيًا، إلا أن أنظمته تتعلم من بيانات تاريخية أنشأها البشر. وإذا كانت تلك البيانات تعكس عقودًا من التحيزات الاجتماعية والثقافية والمؤسسية، فإن الخوارزميات قد تستوعب هذه الأنماط وتعيد إنتاجها. وبذلك، قد يرث الذكاء الاصطناعي أوجه عدم المساواة التي كرّسها الماضي، مع إضفاء هالة من الموضوعية العلمية عليها.

ويتجلى هذا التحدي بوضوح في عمليات التوظيف والترقية. فالكثير من المؤسسات باتت تعتمد على أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف المواهب، وتقييم الأداء، والتنبؤ بالقدرات القيادية. لكن إذا كانت هذه الأنظمة قد دُرّبت على قرارات توظيف أو تقييمات أداء تاريخية، فإنها قد تتعلم أنماطًا فضّلت الرجال تقليديًا. فالنساء كثيرًا ما خضعن لمعايير تقييم مختلفة عن الرجال، ولا سيما فيما يتعلق بالإمكانات القيادية؛ إذ غالبًا ما يُقيَّم الرجال بناءً على ما يُتوقع منهم تحقيقه مستقبلًا، بينما تُطالَب النساء بإثبات إنجازات ملموسة قبل منحهن فرص التقدم.

ولا تكمن الخطورة في أن يصبح الذكاء الاصطناعي متحيزًا من تلقاء نفسه، بل في أنه قد يعتبر مظاهر عدم المساواة السابقة أمرًا طبيعيًا، ثم يعممها على آلاف القرارات المستقبلية.

لكن هذه ليست قصة عن تكنولوجيا تهدد النساء، بل هي قصة تبرز لماذا يجب أن تكون المرأة شريكًا أساسيًا في صناعة التكنولوجيا نفسها.

فعلى مستوى العالم، لا تزال النساء ممثلات بنسبة أقل بكثير في قطاع الذكاء الاصطناعي. وتشير التقارير الدولية إلى أن النساء يشكلن أقل من ثلث العاملين في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ولا تقتصر تداعيات ذلك على مسألة التمثيل؛ إذ عندما تحتكر فئة واحدة تصميم التقنيات التي تؤثر في مليارات البشر، تصبح وجهات النظر المختلفة والخبرات المتنوعة والاحتياجات المجتمعية معرضة للتجاهل.

وتتضح أهمية التنوع في هذا المجال عند النظر إلى بعض أبرز الشخصيات المؤثرة في صناعة الذكاء الاصطناعي. فمن بين أكثر الأسماء احترامًا عالميًا تبرز فاي فاي لي (Fei-Fei Li)، التي أسهمت أبحاثها الرائدة في مجال الرؤية الحاسوبية في إحداث نقلة نوعية في هذا التخصص. وإلى جانب إنجازاتها العلمية، دافعت باستمرار عن مفهوم الذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان، وشددت على أهمية التنوع في تطوير التكنولوجيا. وهي ترى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تخصص تقني، بل هو في جوهره مرتبط بالإنسان، والقيم، والمجتمع.

ومن النماذج الملهمة أيضًا جوي بولامويني (Joy Buolamwini)، التي كشفت أبحاثها الرائدة عن وجود تفاوتات كبيرة على أساس العرق والجنس في أنظمة التعرف على الوجوه. فقد أثبتت أن بعض الخوارزميات كانت أقل دقة في التعرف على النساء، ولا سيما النساء ذوات البشرة الداكنة. ولم يكن السبب نية متعمدة، بل غياب التنوع في مجموعات البيانات المستخدمة لتدريب تلك الأنظمة. وقد أثارت نتائجها نقاشًا عالميًا واسعًا حول العدالة الخوارزمية، وأكدت أن تنوع مطوري الذكاء الاصطناعي ينعكس مباشرة على جودة الحلول التقنية وموثوقيتها.

ولم يعد العالم العربي بعيدًا عن هذا المشهد، بل بات يسهم بقصص نجاحه الخاصة. ففي حين يتركز الحديث غالبًا حول النماذج الغربية، يشهد الشرق الأوسط تحولًا هادئًا لكنه مؤثر في هذا المجال.

ومن أبرز الشخصيات العربية المؤثرة سارة الأميري، التي اكتسبت شهرة عالمية من خلال دورها القيادي في مهمة الإمارات لاستكشاف المريخ. وقد أصبحت رمزًا للتميز العلمي والطموح التكنولوجي. ومن خلال عملها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وسياسات الابتكار، والتعليم الموجه نحو المستقبل، تمثل جيلًا من النساء العربيات اللواتي يسهمن في صياغة الاستراتيجيات الوطنية في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، والتحول الرقمي.

كما رسخت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانتها مركزًا إقليميًا للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، وأصبحت المرأة أكثر حضورًا وتأثيرًا داخل هذه المنظومة. فالباحثات، والمهندسات، ورائدات الأعمال، وصانعات السياسات يشاركن في مبادرات لا تهدف فقط إلى تسريع التقدم التكنولوجي، بل أيضًا إلى ضمان أن يبقى الابتكار شاملًا ومسؤولًا اجتماعيًا.

ولا يقتصر تأثير المرأة على السياسات العامة، بل يمتد أيضًا إلى ريادة الأعمال والاستثمار. فقد أصبحت نور سويد واحدة من أبرز قيادات رأس المال الاستثماري في الشرق الأوسط. ومن خلال استثماراتها في الشركات الناشئة التكنولوجية، تسهم في تحديد الابتكارات التي تحصل على التمويل وفرص النمو. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تقل أهمية الوصول إلى رأس المال عن أهمية الوصول إلى البرمجيات والشفرة البرمجية؛ فصناع القرار الاستثماري هم أيضًا من يرسمون ملامح التكنولوجيا التي ستشكل المستقبل.

وتكمن القيمة الحقيقية لمشاركة المرأة في الذكاء الاصطناعي في أنها تضيف رؤى متنوعة توسع آفاق تصميم التكنولوجيا وتطبيقاتها. فالذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على المختبرات والأقسام الهندسية، بل أصبح حاضرًا في الرعاية الصحية، والتعليم، والاستدامة، والقطاع المالي، والخدمات العامة، والتنمية الاجتماعية. والفرق المتنوعة أكثر قدرة على اكتشاف التحيزات الخفية، واستباق الآثار غير المقصودة، وتصميم حلول تعكس احتياجات شرائح أوسع من المجتمع.

وتزداد أهمية هذا الأمر مع انتقال النقاش العالمي من تطوير الذكاء الاصطناعي إلى حوكمته. فالحكومات، والشركات، والمنظمات الدولية تناقش اليوم كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا والإشراف عليها. وأصبحت قضايا الشفافية، والمساءلة، والخصوصية، والعدالة، وحقوق الإنسان في صميم هذا الحوار. وهذه ليست قضايا تقنية فحسب، بل هي قضايا قيادة وصناعة قرار.

واليوم، تتقدم النساء بشكل متزايد لتولي أدوار قيادية في حوكمة الذكاء الاصطناعي. وقد يتوقف مستقبل المساواة بين الجنسين بقدر كبير على الخوارزميات، تمامًا كما يتوقف على التشريعات. فالأنظمة التي يجري تصميمها اليوم ستؤثر فيمن يحصل على الوظائف، ومن ينال الفرص التمويلية، ومن يتمكن من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، ومن يشارك في الاقتصاد الرقمي غدًا. وإذا غابت المرأة عن طاولات صنع القرار، فلن تكون النتيجة مجرد استمرار لعدم المساواة، بل أيضًا خسارة لفرص ثمينة للابتكار والتقدم.

والخبر الإيجابي أن التغيير قد بدأ بالفعل. ففي العالم العربي وفي مختلف أنحاء العالم، تقود النساء أبحاث الذكاء الاصطناعي، وتمولن الشركات التكنولوجية الناشئة، ويشاركن في صياغة السياسات العامة، ويتحدين الصور النمطية حول من ينتمي إلى قطاع التكنولوجيا. وهن يثبتن أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد آلات تتعلم من البيانات، بل هو انعكاس للقيم التي تختار المجتمعات أن تغرسها في تلك الآلات.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر التقنيات قدرة على إحداث التحول في عصرنا. وما إذا كان سيصبح أداة لتقليص الفجوات بين الجنسين أو لتوسيعها، فسيتوقف على الأشخاص الذين يطورونه، وينظمونه، ويقودون مسيرته.

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يزال قيد الكتابة… ويجب أن تكون المرأة شريكة في كتابة فصله القادم.

executive logo 01 2 1536x205

ابقوا على تواصل مع Executive Women Global:

تابعونا على إنستغرام: https://www.instagram.com/executivewomen_/

تواصلوا معنا عبر لينكدإن: https://www.linkedin.com/company/executive-women/

أعجبوا بصفحتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/

اقرأوا المزيد من المقالات: https://executive-women.global/hala-kmeid-leading-the-way-at-asap-systems/

Executive Women

Writer & Blogger

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Edit Template

Press ESC to close

Cottage out enabled was entered greatly prevent message.