Offcanvas
Edit Template

رزان الحوسيني: بناء المستقبل على أساس الكفاءة بين عالمين

Razane El Housseini

رزان الحوسيني

بدأت رحلة رزان الحوسيني نحو الإبتكار المعماري في مدينة البترون، تلك البلدة الساحلية الصغيرة في شمال لبنان، حيث تتكسّر أمواج البحر على الأسوار الفينيقية، وتحدّد أجراس الكنائس إيقاع الحياة اليومية. وتعكس قصتها إيمانًا راسخًا بأن الإعتراف بالإنجازات المهنية يجب أن يستند إلى الكفاءة والمهارات والإصرار، لا إلى الخلفية الإجتماعية أو العلاقات الشخصية.

على الرغم من إنتمائها إلى عائلة مسلمة، نشأت رزان على وقع أجراس الكنائس. وقد أمضت سنواتها الدراسية كلها في مدرسة العائلة المقدسة، حيث تقاسمت المقاعد والأناشيد والإحتفالات مع صديقاتها. وفي كل شتاء، كانت تنضم إلى جوقة الميلاد، وقلبها مفعم بالفرح مثل قلوب زميلاتها.

في البترون، كانت الإستثناء السعيد في جوقة التراتيل، أما في بيروت، فكانت الفتاة التي درست في مدرسة الراهبات. وكانت هذه الأوصاف ترسم إبتسامة على وجهها دائمًا، لأنها، بالنسبة إليها، تعبّر عن حقيقة واحدة: لقد حملت الثقافتين في داخلها، تمامًا كما يحمل لبنان تنوّعه.

بلد يتعايش فيه الجميع، ونظام يفرّق بينهم

بالنسبة إلى رزان الحوسيني، يعكس هذا الإنتماء المزدوج حكاية وطن بأكمله.

فبغضّ النظر عن الدين، يتشارك اللبنانيون العادات نفسها، وحبّ الحياة ذاته، والكرم الذي يميّزهم. تُفتح الأبواب بالدفء نفسه، ويظلّ هناك دائمًا مكان إضافي حول المائدة لكل من يطرق الباب.

لكن المحطات الكبرى في الحياة لا تزال خاضعة للإعتبارات الدينية. ففي ظل غياب إطار مدني للزواج داخل لبنان، يضطرّ الأزواج المنتمون إلى ديانات مختلفة في كثير من الأحيان إلى السفر إلى قبرص لإتمام زواجهم. ومع ذلك، لم يعرف الحبّ الحدود يومًا، ولا يزال العشّاق يجدون طريقهم الخاص.

أما في المؤسسات العامة، فتُوزّع المناصب وفقًا للتوازن الطائفي، وأحيانًا على حساب الكفاءة والجدارة.

وقد حاول لبنان ردم هذه الفجوة. فإتفاق الطائف، الذي وُقّع عام 1989، تصوّر برلمانًا غير طائفي إلى جانب مجلس للشيوخ يمثّل العائلات الروحية في البلاد، بهدف حماية كل جماعة. لكن هذا المجلس لم يُنشأ حتى اليوم.

وبالنسبة إلى رزان الحوسيني، لم تعد هذه الرؤية غير المنفّذة مجرّد فكرة سياسية، بل تحوّلت إلى مصدر إلهام لمشروع معماري يجسّد فهمها للبنان وإيمانها بنظام يعترف بقدرات الأفراد بدلًا من تصنيفهم على أساس إنتماءاتهم الدينية.

رزان الحوسيني: مجلس الشيوخ الذي صمّمته

أرادت رزان أن تمنح شكلًا ملموسًا لمؤسسة لم تكن موجودة إلا على الورق.

وهكذا، أصبح مجلس الشيوخ مشروع تخرّجها في الهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، وقدّمته في مايو 2017.

اختارت رزان الحوسيني بعبدا موقعًا للمشروع، ووضعت مجلس الشيوخ المقترح على المحور الذي يربط القصر الجمهوري بوزارة الدفاع، ليشكّل مثلثًا مع القصر ووزارة الخارجية.

بدأ التصميم بمكعّب يرمز إلى السلطة والاستقرار. ثم قسّمته إلى قسمين للسماح للمحور بالمرور عبر المبنى. ومن الساحة الأمامية، كان من المفترض أن تمتدّ الرؤية من القصر الجمهوري وصولًا إلى وزارة الدفاع.

بعد ذلك، ربطت القسمين بقبّة تحتضن قاعة إجتماعات المجلس.

كتلتان معماريتان مختلفتان، وقلب واحد مشترك للحوار والنقاش.

في يوم عرض المشروع، شعرت رزان بأنها ترسم ملامح البلد الذي تحلم به. وقد نال مشروعها تقديرًا متميّزًا.

اختيار طريقها الخاص

لكن الحلم اصطدم بعد ذلك بالواقع.

بعد تخرّجها، أمضت رزان قرابة عام تبحث عن وظيفة. وعرض عليها أحد مكاتب الهندسة المعمارية فرصة عمل، لكن بشرط واحد: أن يوصي بها سياسي يموّل أحد مشاريع المكتب.

رفضت العرض.

فبعد أن صمّمت للتوّ مؤسسة تهدف إلى تجاوز الانقسامات الطائفية، لم تستطع أن تبدأ مسيرتها المهنية بالتنازل عن المبادئ التي جسّدها مشروعها.

وبدلًا من الخضوع للنظام، اتجهت إلى شغف آخر.

اعتمادًا على تعلّمها الذاتي لصناعة الصابون بالطريقة الباردة ومستحضرات التجميل الطبيعية، بدأت رزان تنظيم ورش عمل في مركز «فيرميون روج» (Vermillon Rouge) في بيروت، حيث علّمت الشابات كيفية صنع منتجاتهنّ الخاصة. كما بدأت بيع الصابون الذي تصنعه يدويًا.

منحتها هذه التجربة مساحة لالتقاط أنفاسها؛ إذ أتاحت لها فرصة كسب رزقها باستقلالية، والتعرّف إلى أشخاص جدد، ومشاركة الآخرين شغفًا تحبّه بصدق.

لكن الهندسة المعمارية ظلّت مهنتها التي تنتمي إليها.

في أبريل 2018، استبدلت رزان بحر البترون ببحيرات سويسرا، حاملةً معها شيئًا لا يستطيع أحد انتزاعه منها: مهاراتها.

وعملت مهندسة معمارية في سويسرا لمدة خمس سنوات، اكتسبت خلالها الخبرة وطوّرت فهمًا عميقًا لدقّة البناء السويسري.

رزان الحوسيني: من الهندسة المعمارية إلى الابتكار المعماري

قادتها تلك السنوات في نهاية المطاف إلى شغفها المهني الحقيقي: الابتكار المعماري وتوظيف التقنيات الناشئة في قطاع البناء.

تخصّصت رزان في نمذجة معلومات البناء (BIM)، وحصلت على شهادة الدراسات المتقدمة (CAS) من مدرسة فريبورغ للهندسة والعمارة (HEIA-FR).

وتشغل رزان اليوم منصب مديرة نمذجة معلومات البناء (BIM Manager) في شركة CCHE، وهي من أبرز شركات الهندسة المعمارية التي تمتلك مكاتب في مختلف أنحاء سويسرا وفي مدينة بورتو البرتغالية.

ومؤخرًا، عُيّنت إلى جانب أحد زملائها لتأسيس وحدة الذكاء الاصطناعي في الشركة، في مسؤولية جديدة تعكس فضولها الفكري واهتمامها بالابتكار.

وهكذا، انتقلت مسيرتها المهنية من تصميم المساحات المادية إلى استكشاف الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي في رسم مستقبل الهندسة المعمارية وقطاع البناء.

نقل المعرفة إلى الآخرين

بالنسبة إلى رزان، لا يقتصر التطوّر المهني على الإنجازات الشخصية، بل يصاحبه أيضًا واجب مشاركة المعرفة.

فهي تتولّى حاليًا إرشاد طالب مسجّل في برنامج شهادة الدراسات المتقدمة في نمذجة معلومات البناء (BIM CAS) في مدرسة جنيف للهندسة المعمارية والهندسة وتنسيق الحدائق (HEPIA)، وترافقه حتى إنجاز مشروع تخرّجه النهائي.

كما تشارك بفاعلية في مجتمع نمذجة معلومات البناء في جنيف، وتسهم في تبادل المعرفة والخبرات المهنية.

وعلى الرغم من السنوات التي أمضتها في بناء مسيرتها المهنية في الخارج، لا تزال علاقتها بلبنان قوية. فهي تأمل أن تتاح لها يومًا فرصة المساهمة في مشروع معماري في وطنها.

وبصفتها امرأة تعمل في قطاع البناء، تدرك رزان أن النساء قد يحتجن أحيانًا إلى بذل جهود إضافية لإثبات كفاءتهنّ وانتزاع الاعتراف بمهاراتهنّ. لكنها لم تسمح لهذا الواقع بأن يثنيها عن طموحها، بل حوّلته إلى دافع يدفعها إلى الأمام.

كذلك، تصرّ رزان الحوسيني على تمثيل المرأة العربية وتسليط الضوء على مسيراتها المهنية، التي ترى أنها لا تحظى بالقدر الكافي من التغطية، ولا سيما في أوروبا.

وتلخّص نصيحتها لشابة لبنانية تخرّجت حديثًا في الهندسة المعمارية تجربتها الشخصية:

«آمني بما تسعين إليه؛ فكل جهد تبذلينه سيعود إليك يومًا ما. تمسّكي بقيمك، فالكبرياء أغلى من المال».

رزان الحوسيني: بناء مستقبل يتجاوز التصنيفات

لم يُبنَ مجلس الشيوخ الذي صمّمته رزان، لكن المشروع ساعدها على تحديد ما تريد بناءه طوال حياتها: مسيرة مهنية يستند فيها التقدير إلى المهارات والتفاني والجدارة، لا إلى الفئة التي يولد الإنسان وينتمي إليها.

من قاعات الدراسة في البترون إلى استوديوهات الهندسة المعمارية في سويسرا، ظلّت رحلتها مرتبطة بذلك الإيمان الأول.

ولا تزال تؤمن بلبنان، بشبابه الموهوب، ونسائه القويات واللامعات، وبقدرته الفريدة على العيش المشترك رغم التحديات التي مرّ بها.

وبالنسبة إلى رزان، لطالما وجد لبنان طريقًا للنهوض من جديد.

وهي تأمل أن تصبح الرسومات التي قدّمتها عام 2017 يومًا ما الحجر الأول في بناء شيء أكبر.

لم تتغيّر رؤيتها: مجلس شيوخ لا يعود مجرّد حلم لطالبة، بل يصبح مكانًا يجتمع فيه التنوع تحت قبّة واحدة، ويحصل فيه الجميع على مقعد يستحقونه بما يستطيعون تقديمه.

كلمة هيئة التحرير | Executive-Women Global

تتحدّد بعض المسيرات المهنية بالمناصب التي يصل إليها أصحابها، فيما تتحدّد مسيرات أخرى بالمبادئ التي يرفضون التخلي عنها.

تذكّرنا رحلة رزان الحوسيني بأن الجدارة لا تقتصر على المؤهلات أو الإنجازات المهنية، بل تشمل أيضًا النزاهة، والشجاعة لاتخاذ القرارات الصعبة، والإصرار على صنع الفرص من دون المساومة على القيم.

من مشروع تخرّج تخيّلت فيه لبنان أكثر شمولًا وعدالة، إلى مسيرة مهنية تحتضن الابتكار المعماري والذكاء الاصطناعي في سويسرا، ظلّت رزان وفية للقناعة نفسها: الموهبة تستحق التقدير بعيدًا عن الجنس أو الدين أو الخلفية الاجتماعية.

في Executive-Women Global، نؤمن بأن قصصًا كهذه تستحق أن تُروى، ليس فقط لأنها تسلّط الضوء على إنجازات المرأة العربية على الساحة الدولية، بل لأنها تدفعنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نعرّف بها الفرص والقيادة والنجاح.

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية في قصة رزان هو أن رؤيتها للبنان لم تختفِ يومًا، بل نمت وتطوّرت بالتوازي مع مسيرتها.

فأحيانًا، لا يكون أهم ما يبنيه المهندس المعماري مبنىً، بل طريقًا يستطيع الآخرون السير عليه.

رزان الحوسيني: بناء المستقبل على أساس الكفاءة بين عالمين

ابقوا على تواصل مع Executive-Women Global:

تابعونا على إنستغرام:
https://www.instagram.com/executivewomen_/

تواصلوا معنا على لينكدإن:
https://www.linkedin.com/company/executive-women/

تابعونا على فيسبوك:
https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/

اقرؤوا المزيد من المقالات:

https://executive-women.global/all-about-sustainable-fashion-trends-innovations-and-the-future/  

https://executive-women.global/from-zero-to-unicorn-sabina-abuova-reveals-the-secret-to-snoonus-seamless-1b-win-2/ 

https://executive-women.global/from-celebration-to-change-how-womens-councils-can-make-a-meaningful-difference-at-work-by-dr-samia-saeed-al-ameri/

Edit Template

Press ESC to close

Cottage out enabled was entered greatly prevent message.