الملاحظات البنّاءة: الطقس السنوي الذي لم يطلبه أحد
تعرفون ذلك الشعور جيدًا. يظهر التنبيه على التقويم: «مراجعة الأداء السنوية. استعدّوا لتقديم الملاحظات».
تهبط معدتكم فجأة، وتتعرّق راحتا أيديكم، وتتذكّرون فجأة أن لديكم موعدًا عند طبيب الأسنان.
وبالمثل، يشعر الموظف الجالس على الجانب الآخر من الطاولة بالرهبة نفسها. يرى التنبيه ذاته على التقويم، ويتذكّر فجأة أن لديه موعدًا عند طبيب الأسنان أيضًا.
من الطريف كيف تصبح أسنان الجميع بحاجة ماسّة إلى العناية خلال موسم الملاحظات!
معضلة مَن يقدّم الملاحظات البنّاءة: لماذا نفضّل فعل أي شيء آخر؟
لنكن صريحين. تقديم الملاحظات ليس تجربة مريحة على الإطلاق.
فمعظم المديرين يفضّلون تنظيف ثلّاجة المكتب، أو إعادة ترتيب خزانة المستلزمات، أو حضور اجتماع يستمر ثلاث ساعات للحديث عن «التآزر» والتعاون المؤسسي.
في الواقع، نتجنّب المواجهة بطبيعتنا. لا أحد يريد أن يظهر بمظهر الشخص السيئ، ولا أحد يريد أن يحطّم معنويات شخص آخر قبل موعد الغداء.
وفوق ذلك، نخشى ردود الفعل. ماذا لو بكى الموظف؟ وماذا لو اتخذ موقفًا دفاعيًا؟ والأسوأ من ذلك كله، ماذا لو بدأ يكرهنا سرًّا إلى الأبد؟
لذلك، نلجأ إلى تلطيف الرسالة. نغلّف النقد بين مجاملتين، ونستخدم عبارات مبهمة مثل «فرصة للتطوّر»، ونبتسم ونحن ننقل أخبارًا غير سارّة.
لكن الحقيقة هي أن الملاحظات الغامضة لا تفيد أحدًا. فهي تربك مَن يتلقّاها، وتحبط مَن يقدّمها، وتهدر وقت الجميع.
واقع المتلقّي: لماذا نفضّل ألّا نسمع الملاحظات؟
لننظر الآن إلى الجانب الآخر. فتلقّي الملاحظات قد يكون مزعجًا بالقدر نفسه.
لا أحد يستيقظ صباحًا متحمّسًا لسماع عيوبه. نفضّل الاعتقاد بأننا نؤدي عملنا على نحو جيد، ونحب أن نرى أنفسنا استثناءً من القاعدة.
ومع ذلك، تصل الملاحظات في نهاية المطاف، وتؤلمنا.
فجأة، نتخذ موقفًا دفاعيًا. نبدأ بشرح أسباب تصرّفاتنا، ثم تبرير كل قرار اتخذناه. وقبل أن ينتهي الطرف الآخر من كلامه، نكون قد بدأنا ذهنيًا إعداد ردّنا المضاد.
كذلك، نأخذ الكلام على محمل شخصي. نشعر وكأن الطرف الآخر لا ينتقد عملنا، بل ينتقدنا نحن. تصبح هويتنا موضع تهديد، ونشعر بأن كفاءتنا أصبحت محلّ شك.
ونتيجة لذلك، ننغلق على أنفسنا. نهزّ رؤوسنا موافقين، لكننا لا نستوعب شيئًا. نبتسم، بينما يغلي الغضب في داخلنا.
شطيرة المجاملات: وصفة مثالية للارتباك
يلجأ كثير من المديرين إلى ما يُعرف بـ«شطيرة المجاملات». يبدأون بكلام إيجابي، ثم يقدّمون النقد، ويختتمون بمجاملة أخرى.
تبدو هذه الطريقة جيدة من الناحية النظرية.
لكنها، عمليًا، قد تأتي بنتائج عكسية تمامًا.
فقد يركّز المتلقّي على النقد ويتجاهل المجاملات كليًا. والأسوأ أنه قد يشكّ في صدق تلك المجاملات، ويعتقد أنها لم تكن سوى مقدّمة لانتقاد جارح.
وفي المقابل، قد يتمسّك بالمجاملات ويتجاهل النقد تمامًا، فيغادر الاجتماع مقتنعًا بأنه رائع ولا يحتاج إلى أي تحسين.
وهكذا، لا يفوز أحد. تضيع الرسالة، ولا تحقق الملاحظات أي فائدة تُذكر.
الكارثة التي كان بالإمكان منعها
لنتخيّل مشهدًا مألوفًا. يخرج مشروع عن مساره، ويتأخّر تسليم العمل عن الموعد المحدّد، ويقدّم أحد العملاء شكوى غاضبة.
بعد ذلك، يطرح الجميع السؤال نفسه: «كيف حدث هذا؟».
لكن الحقيقة غير المريحة هي أن شخصًا ما كان يتوقّع حدوث ذلك. فقبل أسابيع، لاحظ أحدهم مؤشرات التحذير. رأى الأخطاء والتأخيرات وسوء التواصل، لكنه لم يقل شيئًا.
إن تقديم الملاحظات أمر غير مريح. ففي النهاية، لا أحد يريد أن يكون حامل الأخبار السيئة. كما نقنع أنفسنا بأن الأمور ستتحسّن من تلقاء نفسها.
لكن إليكم المفاجأة: هذا لا يحدث أبدًا!
لماذا تغيّر الملاحظات المبكرة كل شيء؟
تخيّلوا سيناريو مختلفًا. يتحدث أحدهم في وقت مبكر، وينبّه إلى خطأ صغير قبل أن يتحوّل إلى كارثة. ويعالج سوء فهم قبل أن يتفاقم ويخرج عن السيطرة.
عندها، يتغيّر كل شيء.
يبقى المشروع على المسار الصحيح، ويحافظ العميل على رضاه، ويعمل الفريق بهدوء أكبر.
كذلك، يستفيد الموظف الذي يتلقّى الملاحظات. إذ يتمكّن من تصحيح مساره مبكرًا، ويتجنّب الإخفاق العلني وما يصاحبه من إحراج، ويتعلّم من أخطائه من دون أن تترك التجربة ندوبًا نفسية عميقة.
وفوق ذلك، تصبح العلاقة أقوى. يُظهر مَن يقدّم الملاحظات اهتمامه الحقيقي، ويشعر المتلقّي بأنه يحظى بالدعم. وهكذا، تنمو الثقة بدلًا من أن تتآكل.
باختصار، تمنع الملاحظات المبكرة وقوع الكوارث. فلا يعود الوقت مهدورًا، ولا تستنزف الميزانية الأموال بلا داعٍ، والأهم أن كرامة الجميع تبقى محفوظة.
لماذا ننتظر حتى فوات الأوان؟
على الرغم من ذلك، ما زلنا نؤجّل الحديث.
لماذا؟ لأن الخوف ينتصر.
نخشى جرح المشاعر، ونخاف أن نكون مخطئين، ونشعر بالحرج من المحادثات الصعبة. أما أن يصفنا أحدهم بأننا «مزعجون» أو «صعبو التعامل»، فذلك كابوس نحاول تجنّبه بأي ثمن.
وفوق ذلك، نقنع أنفسنا بأن المشكلة لا تخصّنا، وأن شخصًا آخر سيتولّى معالجتها، أو سيبادر إلى قول ما يجب قوله.
وفي هذه الأثناء، تتفاقم المشكلة. تتحوّل الأخطاء الصغيرة إلى مشكلات كبيرة، وسوء الفهم البسيط إلى نزاعات معقّدة.
وهكذا، تتحوّل محادثة كان يمكن أن تستغرق خمس دقائق إلى أزمة تستمر خمسة أشهر.
سرّ تقديم الملاحظات قبل وقوع الكارثة
إليكم السر: اجعلوا الملاحظات عادة مستمرّة، لا مناسبة استثنائية.
لا تنتظروا مراجعة الأداء السنوية، ولا تعتمدوا على الاجتماعات الفصلية وحدها، والأهم من ذلك كله، لا تنتظروا وقوع الكارثة.
بدلًا من ذلك، قدّموا الملاحظات بانتظام، وبأسلوب عفوي، وبكل لطف.
على سبيل المثال، يمكنكم القول:
«مرحبًا، لاحظت أمرًا أودّ مناقشته معك. هل يمكننا التحدّث لدقيقتين؟».
أو:
«أودّ مشاركة ملاحظة سريعة معك. الأمر ليس كبيرًا، لكنني اعتقدت أنه من المفيد أن تعرفه».
تزيل هذه الطريقة الكثير من التهويل والخوف وحدّة الموقف.
ونتيجة لذلك، تصبح الملاحظات أمرًا طبيعيًا، وجزءًا روتينيًا من العمل، لا حدثًا استثنائيًا يثير القلق والتوتر.
لماذا يحتاج الطرفان إلى تجاوز حساسيتهما؟
مع ذلك، تظلّ الملاحظات ضرورية. فلا يمكننا التطوّر من دونها، ولا تستطيع الفرق العمل بفاعلية من دونها، ولا يمكن للشركات أن تنمو وتتقدّم من دونها.
لذلك، يحتاج الطرفان إلى تحمّل مسؤوليتهما.
بالنسبة إلى مَن يقدّم الملاحظات: توقّف عن تلطيف الرسالة إلى حدّ إفراغها من معناها.
كن واضحًا، لكن لطيفًا. كن محدّدًا، لكن لا تكن قاسيًا. وركّز على السلوك، لا على شخصية الإنسان.
على سبيل المثال، قل: «احتوى تقريرك على ثلاثة أخطاء»، بدلًا من «أنت شخص مهمل».
وقل: «لاحظت أنك قاطعت الآخرين مرتين خلال الاجتماع»، بدلًا من «أنت شخص فظّ».
كذلك، قل: «تأخّرت يومين عن الموعد النهائي»، بدلًا من «لا يمكن الاعتماد عليك».
وقل: «افتقر العرض التقديمي إلى البيانات في الشريحة الثالثة»، بدلًا من «أنت غير مستعد».
هل لاحظتم الفرق؟
تصف العبارة الأولى ما حدث بالفعل، بينما تهاجم الثانية شخصية الإنسان. يمكن تصحيح الأولى ومعالجة أسبابها، أما الثانية فلا تقدّم سوى الإهانة.
بالنسبة إلى مَن يتلقّى الملاحظات: توقّف عن الدفاع عن نفسك قبل أن تفهم الرسالة.
استمع أولًا، واطرح الأسئلة، واطلب التوضيح قبل أن تتفاعل بانفعال.
بدلًا من البدء بشرح أسباب تصرّفك، اسأل: «هل يمكنك إعطائي مثالًا؟».
وعندما تشعر بأن الطرف الآخر يهاجمك، جرّب أن تسأل: «ما الذي كان يمكن أن يبدو أفضل؟».
وبدلًا من تبرير سلوكك، اسأل: «كيف أثّر ذلك فيك أو في الفريق؟».
وأخيرًا، بدلًا من اتخاذ موقف دفاعي، قل ببساطة: «شكرًا لك. سأفكّر في ما قلته».
نعم، قد يبدو شكر الطرف الآخر أمرًا غير طبيعي، وكأنه اعتراف بالهزيمة. لكن صدّقني، هذه العبارة تخفّف حدّة الموقف، وتُظهر نضجك، وتمنحك الوقت اللازم لاستيعاب ما سمعته.
ونتيجة لذلك، يصبح الحوار أكثر إنتاجية. يشعر الطرفان بأنهما مسموعان، وتصل الرسالة فعلًا، ولا يغادر أحد الغرفة باكيًا أو يخطّط للانتقام!
كيف ستصبح الحياة أفضل لو تحدّثنا مبكرًا وقدّمنا ملاحظاتنا في الوقت المناسب؟
تخيّلوا عالمًا كهذا.
يتحدّث المديرون في الوقت المناسب، ويعالجون المشكلات قبل أن تتفاقم، ويوجّهون فرقهم بثقة واهتمام.
ويستمع الموظفون بانفتاح، ويصحّحون مسارهم مبكرًا، ويتطوّرون من دون الاضطرار إلى تحمّل صدمة الإخفاق أمام الآخرين.
تسير المشاريع بسلاسة، وتُحترم المواعيد النهائية، ويحافظ العملاء على رضاهم، وينام الجميع براحة أكبر ليلًا.
وفوق ذلك، تزدهر العلاقات المهنية. فتحلّ الثقة محلّ الشك، ويحلّ التعاون محلّ النزاع، ويبدأ الناس بالاستمتاع فعلًا بالعمل معًا.
أما الجزء الأجمل، فهو أن لا أحد سيخشى مراجعة الأداء السنوية؛ لأن ما يُقال في ذلك الاجتماع لن يكون مفاجئًا لأحد، بل سيكون قد نوقش وعولج مسبقًا.
الحكم النهائي: الملاحظات البنّاءة
لنواجه الواقع. لن تصبح الملاحظات تجربة ممتعة، ولن يستمتع أي من الطرفين بها تمامًا.
لكن الحقيقة هي أن الملاحظات هدية. هدية غير جميلة، وغير مريحة، ومؤلمة قليلًا؛ تشبه كنزة صوفية أهدتك إياها جدّتك، لكنها لا تناسب مقاسك تمامًا.
ومع ذلك، تظلّ هدية. فقد اهتمّ شخص ما بما يكفي ليغلّفها ويقدّمها إليك.
لذلك، إليكم الإذن الذي تحتاجون إليه: قدّموا ملاحظاتكم بلطف، وتلقّوها برحابة صدر، ومن أجل الله، قولوا ما يجب قوله قبل وقوع الكارثة!
لأن معظم الكوارث، بيني وبينكم، يمكن تجنّبها. ومعظم الأزمات يمكن احتواؤها، وكثير من الإخفاقات كان بالإمكان منعها من خلال محادثة واحدة صادقة.
لذا، توقّفوا عن الانتظار، وتوقّفوا عن التهرّب، وتوقّفوا عن الأمل بأن تتحسّن الأمور من تلقاء نفسها.
قدّموا الملاحظات، وأنقذوا الموقف من الكارثة، وناموا براحة أكبر لأنكم امتلكتم الشجاعة للتحدّث.
الخلاصة: الأمر يصبح أسهل مع الوقت!
في نهاية المطاف، يصبح تقديم الملاحظات وتلقّيها أسهل بالممارسة.
يتعلّم مَن يقدّمها كيف يكون واضحًا ولطيفًا في آنٍ واحد، ويتعلّم مَن يتلقّاها كيف يستمع من دون أن ينهار أو يبادر إلى الدفاع عن نفسه. ويدرك الطرفان أن الملاحظات ليست مسألة شخصية، بل جزء أساسي من الحياة المهنية.
لذلك، عندما يظهر التنبيه التالي على تقويمكم، خذوا نفسًا عميقًا واستعدّوا. وتذكّروا أن النمو يبدأ غالبًا خارج منطقة الراحة.
وإذا كنتم لا تزالون تكرهون الملاحظات، فانضمّوا إلى النادي! فلا أحد يحبّها حقًا.
لكننا جميعًا نحتاج إليها.
بقلم كوزيت عوّاد

ابقوا على تواصل معنا:
تابعونا على إنستغرام:
https://www.instagram.com/executivewomen_/
تواصلوا معنا على لينكدإن:
https://www.linkedin.com/company/executive-women/
تابعونا على فيسبوك:
https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/
اقرؤوا المزيد من المقالات:
https://executive-women.global/so-you-thought-seo-was-hard-welcome-to-aeo-where-ai-decides-if-you-exist-by-cosette-awad/




