لتغذية والاكتئاب: العلاقة بين الغذاء و الصحة النفسية
في البداية، لا يدرك كثيرون العلاقة بين التغذية و الصحة النفسية. وعادةً ما ينظر الناس إلى الاكتئاب على أنه حالة ذات أسباب كيميائية حيوية أو عاطفية فقط.
وعلى العكس من ذلك، يمكن للتغذية أن تؤدي دورًا أساسيًا في ظهور الاكتئاب وشدته ومدته. إضافةً إلى ذلك، قد تظهر خلال فترة الاكتئاب أنماط غذائية يسهل ملاحظتها، ومنها ضعف الشهية، وتخطي الوجبات، والرغبة الشديدة في تناول الأطعمة الحلوة.
وفي هذا السياق، يُعد علم الأعصاب الغذائي مجالًا ناشئًا يسلّط الضوء على كيفية ارتباط العوامل الغذائية بالإدراك والسلوك والمشاعر لدى الإنسان.
الصحة النفسية ونقص العناصر الغذائية
في البداية، تشمل الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعًا والمنتشرة حاليًا في العديد من الدول: الاكتئاب، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطراب الوسواس القهري (OCD). علاوةً على ذلك، ترتبط هذه الاضطرابات بنقص بعض النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين وحمض غاما أمينوبيوتيريك (GABA). ونتيجةً لذلك، يمكن أن تؤثر هذه النواقص في المزاج والسلوك والصحة النفسية العامة.
ومن جهة أخرى، تعكس أنماط تناول الغذاء لدى عامة السكان في العديد من الدول الآسيوية والأمريكية غالبًا نقصًا في العديد من العناصر الغذائية، ولا سيما الفيتامينات الأساسية والمعادن وأحماض أوميغا-3 الدهنية. وبالتالي، أظهرت الدراسات أن تناول المكملات اليومية من العناصر الغذائية الحيوية يمكن أن يساعد غالبًا في الحد من أعراض المرضى.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأحماض الأمينية مثل التريبتوفان والتيروزين والفينيل ألانين والميثيونين أن تساعد في علاج العديد من اضطرابات المزاج، بما فيها الاكتئاب. وعلى وجه الخصوص، يتحول التريبتوفان عادةً إلى السيروتونين (هرمون السعادة)، الذي يساعد بدوره على النوم والهدوء.
“أظهرت أبحاث سابقة وجود صلة بين نقص العناصر الغذائية وبعض الاضطرابات النفسية.”
وانطلاقًا من ذلك، تشمل أكثر حالات نقص العناصر الغذائية شيوعًا لدى المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية أحماض أوميغا-3 الدهنية، وفيتامينات B، والمعادن، والأحماض الأمينية. إضافةً إلى ذلك، تعمل هذه العناصر بوصفها مواد أولية لإنتاج النواقل العصبية، وبالتالي تساهم في دعم وظائف الدماغ والصحة النفسية.
الكربوهيدرات والمزاج و الصحة النفسية
أولًا، تؤثر الكربوهيدرات في المزاج والسلوك. لذلك، يميل اتباع أنظمة غذائية منخفضة الكربوهيدرات إلى التسبب في الاكتئاب، إذ تحفّز الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات إنتاج المواد الكيميائية في الدماغ، مثل السيروتونين والتريبتوفان، والتي تعزز الشعور بالرفاهية.
البروتينات والنواقل العصبية
1. الكربوهيدرات
ب. البروتينات
على وجه الخصوص، تأتي العديد من النواقل العصبية في الدماغ من البروتينات (الأحماض الأمينية). فعلى سبيل المثال، ينتج الحمضان الأمينيان التيروزين والتريبتوفان الناقلين العصبيين الدوبامين والسيروتونين، على التوالي.
ونتيجةً لذلك، يرتبط انخفاض إنتاج هذه النواقل العصبية بانخفاض المزاج والعدوانية لدى المرضى.
الأحماض الدهنية الأساسية و صحة الدماغ
ج. الأحماض الدهنية الأساسية
- أحماض أوميغا-3 الدهنية
ومن الجدير بالذكر أن الدماغ يُعد من أكثر أعضاء الجسم احتواءً على الدهون. علاوةً على ذلك، تحتوي المادة الرمادية على 50% من الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، التي يحصل عليها الجسم من خلال النظام الغذائي.
ومن ناحية أخرى، يؤدي خفض مستوى الكوليسترول في البلازما من خلال النظام الغذائي والأدوية إلى زيادة الاكتئاب. وبالتالي، قد تساهم الكميات الكافية من أحماض أوميغا-3 الدهنية المتعددة غير المشبعة في الحد من تطور الاكتئاب.
الفيتامينات و الصحة النفسية
د. الفيتامينات
- فيتامينات B المركبة
ومن الجدير بالذكر، أن تحسن المزاج يرتبط بشكل خاص بتحسن مستويات فيتاميني B2 وB6. وبالمثل، ارتبط انخفاض مستوى فيتامين B1 الأساسي لدى النساء بسوء المزاج، بينما ارتبط تحسن مستواه بعد 3 أشهر بتحسن المزاج.
- فيتامين B12
بالإضافة إلى ذلك، أشارت التجارب السريرية إلى أن فيتامين B12 يؤخر ظهور علامات الخرف. وبالمثل، يُظهر المراهقون الذين يعانون من نقص حدودي في فيتامين B12 علامات على حدوث تغيرات معرفية.
أما من ناحية مصادره الغذائية، فيوجد فيتامين B12 بشكل أساسي في اللحوم والأسماك والبيض والحليب والجبن.
- فيتامين B9 (الفولات)
في الوقت نفسه، لاحظ الباحثون انخفاض مستويات الفولات في الدم لدى المرضى الذين يعانون من الاكتئاب. علاوةً على ذلك، أظهرت إحدى الدراسات أن 500 ميكروغرام من حمض الفوليك عززت فعالية الأدوية المضادة للاكتئاب.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سوء التغذية، بوصفه أحد أعراض الاكتئاب، يسبب نقص الفولات، أم أن نقص الفولات الأساسي يؤدي إلى الاكتئاب وأعراضه.
أما من حيث مصادره الغذائية، فيوجد الفولات بشكل أساسي في الخضروات الورقية الخضراء والفاصولياء والبازلاء والعدس والفواكه.
المعادن و الصحة النفسية
هـ. المعادن
- الكروميوم
في البداية، بحثت العديد من الدراسات في العلاقة بين الكروميوم والاكتئاب لدى البشر.
أهم مصادره الغذائية: البروكولي، والبطاطا، والفاصولياء الخضراء، ومنتجات الحبوب الكاملة.
- اليود
وبالمثل، يؤدي اليود دورًا مهمًا في الصحة النفسية. إضافةً إلى ذلك، يضمن اليود الذي يوفره هرمون الغدة الدرقية عملية استقلاب الطاقة في خلايا الدماغ.
أهم مصادره الغذائية: الأعشاب البحرية، والأسماك، والملح المدعّم باليود، والبيض.
- الحديد
بالإضافة إلى ذلك، يعد الحديد ضروريًا لتزويد الدماغ بالأكسجين وإنتاج الطاقة فيه، وكذلك لتصنيع النواقل العصبية والميالين. ومن المثير للاهتمام، أن نتائج الأبحاث أشارت إلى أن عدد النساء المصابات بالاكتئاب السريري يبلغ ضعف عدد الرجال. ومع مرور الوقت، يبدأ هذا الاختلاف بين الجنسين في مرحلة المراهقة، ويصبح أكثر وضوحًا لدى النساء المتزوجات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و45 عامًا ولديهن أطفال.
علاوةً على ذلك، يرتبط فقر الدم الناتج عن نقص الحديد بالخمول والاكتئاب والتعب السريع عند ممارسة الرياضة.
أهم مصادره الغذائية: اللحوم الحمراء، والدجاج، والأسماك، والبيض، بالإضافة إلى الفاصولياء وجنين القمح.
- الليثيوم
ومن الجدير بالذكر، أن دور الليثيوم ظل معروفًا في مجال الطب النفسي. وتاريخيًا، استخدم اختصاصيو الرعاية الصحية الليثيوم بشكل علاجي بشكل أساسي لعلاج الاكتئاب، والاضطراب الفصامي العاطفي، والعدوانية، واضطرابات التحكم في الاندفاع، واضطرابات الأكل، وبعض حالات إدمان الكحول.
أهم مصادره الغذائية: القشريات، والرخويات، والأسماك، والبقوليات (الفاصولياء، والبازلاء، والعدس).
- السيلينيوم
وبالمثل، أظهرت دراسات تدخلية شملت السيلينيوم ومجموعات أخرى من المرضى أن السيلينيوم يحسن المزاج ويخفف القلق.
أهم مصادره الغذائية: المكسرات، والأسماك، ولحم البقر، والديك الرومي، والدجاج.
- الزنك
وأخيرًا، أظهرت الدراسات أن مستويات الزنك تكون أقل لدى الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب السريري. علاوةً على ذلك، تشير الأبحاث التدخلية إلى أن تناول الزنك عن طريق الفم يمكن أن يؤثر في فعالية العلاج المضاد للاكتئاب.
أهم مصادره الغذائية: المحار، واللحوم الحمراء، والمكسرات، والحبوب الكاملة، والفاصولياء.
التغذية والدماغ و الصحة النفسية
وأخيرًا، تشير الأبحاث الحالية في علم المناعة العصبية النفسي والكيمياء الحيوية للدماغ إلى احتمال وجود مسارات تواصل يمكن أن توفر فهمًا أوضح للعلاقة بين المدخول الغذائي والجهاز العصبي المركزي ووظائف المناعة، وبالتالي تأثيرها في الحالة النفسية للفرد. وفي المقابل، قد تؤدي هذه النتائج إلى قبول أكبر للقيمة العلاجية للتدخل الغذائي بين الممارسين الصحيين ومقدمي الرعاية الصحية الذين يتعاملون مع الاكتئاب وغيره من الاضطرابات النفسية. وفي نهاية المطاف، قد يشجع ذلك على إيلاء التغذية اهتمامًا أكبر باعتبارها جزءًا من نهج أوسع لدعم الصحة النفسية.
بقلم: نيكول عيد ملاح

ابقوا على تواصل:
تابعونا على Instagram: https://www.instagram.com/executivewomen_/
تواصلوا معنا عبر LinkedIn: https://www.linkedin.com/company/executive-women/
تابعونا على Facebook: https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/
اقرأوا المزيد من المقالات:
https://executive-women.global/en/the-secret-ingredient-in-great-marketing-its-stolen/




