بقلم: الدكتورة ندى ملاح بستاني
في مقالي السابق، تناولنا أربع قوى رئيسية تمكّن النساء اليوم وتعيد تعريف مفهوم القيادة النسائية، كما ترسم ملامح الفرص المتاحة أمامهن خلال العقود المقبلة في مختلف أنحاء العالم العربي. فاليوم، لم تعد النساء يكتفين بدخول مواقع القيادة فحسب، بل أصبحن يعِدن صياغة مفهوم القيادة ذاته. فمن قاعات مجالس الإدارة في الشركات إلى الشركات الناشئة المجتمعية، ومن مراكز الابتكار إلى الوزارات، تقود النساء حقبة جديدة تقوم على الحضور الفاعل والكفاءة والتأثير.
وفي هذا المقال، نسلّط الضوء على ثلاث قوى إضافية لا تقل تأثيراً ولا وعداً عن سابقاتها، من شأنها تسريع صعود النساء في السنوات المقبلة. فهذه القوى ليست مجرد توجهات عابرة، بل محركات حقيقية لتحول هيكلي عميق.
أول هذه التحولات، وربما أكثرها تأثيراً، يتمثل في صعود منظومات الإرشاد المهني وبناء الشبكات التي تؤسسها النساء من أجل النساء. فعلى مدى عقود، كانت العديد من القيادات النسائية تخوض مساراتها المهنية في عزلة نسبية، وغالباً ما تجد نفسها “المرأة الوحيدة في الغرفة”، تعمل ضمن أنظمة لم تُصمم أساساً لتراعي احتياجاتها أو تطلعاتها. غير أن هذه العزلة بدأت اليوم تتلاشى. ففي مختلف أنحاء المنطقة العربية، تنشأ مجتمعات جديدة للإرشاد المهني تتمتع بالحيوية والتنظيم والهدف الواضح.
فعلى سبيل المثال، أصبحت منصة Womena في دولة الإمارات العربية المتحدة مركزاً ديناميكياً يربط بين مؤسسات التكنولوجيا الناشئة والمستثمرين وروّاد الابتكار. كما توسعت شبكة Arab Women in Computing لتضم آلاف النساء عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، موفّرة لهن روابط مع مؤسسات أكاديمية وتقنية عالمية. كذلك تجمع برامج مثل She Entrepreneurs قيادات نسائية صاعدة من مختلف أنحاء المنطقة لتطوير مشاريع ذات أثر اجتماعي. وفي المملكة العربية السعودية، تعمل مجالس النساء على توجيه المواهب الشابة في مجالات الطيران والأمن السيبراني والتمويل والرياضة. أما في لبنان، فتشهد البلاد موجة متصاعدة من المبادرات التي تقودها النساء وتهدف إلى رعاية الجيل الجديد من رائدات الأعمال وقائدات المجتمع والمبتكرات الرقميات.
واليوم، لم يعد الإرشاد المهني مجرد لقاء ودي على فنجان قهوة، بل أصبح منظومة منظمة واستراتيجية قائمة على البيانات، وذات بعد عالمي متنامٍ. فالنساء يتعلمن اليوم كيفية التفاوض بفاعلية أكبر، كما يوسّعن وصولهن إلى شبكات كانت في السابق مغلقة أمامهن، ويؤسسن دوائر دعم متبادلة تعزز حضورهن، إضافة إلى تلقي التوجيه في مجالات مثل تحديات القيادة وإدارة النزاعات والتحولات المهنية. وهكذا، تحل ثقافة التعاون محل المنافسة، مما يسرّع وتيرة التقدم للجميع. ومن المتوقع أن تصبح هذه المنظومات الإرشادية خلال السنوات المقبلة من أقوى محركات القيادة النسائية في العالم العربي، إذ تضمن ألا ترتقي النساء منفردات، بل يرتقين معاً.
أما التحول الثاني، الذي لا يقل عمقاً وأهمية، فيتجلى في تغير المواقف الاجتماعية تجاه أدوار النساء. فالعالم العربي يشهد تحولاً ثقافياً ملحوظاً، قد يكون من الصعب قياسه بالأرقام، لكنه واضح في تأثيره. ففي المدن والقرى، وداخل الأسر والمؤسسات على حد سواء، تتطور النظرة إلى دور المرأة بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
اليوم، تشغل النساء مجالات كانت تُعد في الماضي مغلقة تماماً أمامهن. فطيارات مقاتلات في الإمارات والأردن والسعودية يتحدين الافتراضات القديمة حول دور المرأة في الخدمة العسكرية. كما تقود مهندسات ومعماريات مشاريع إقليمية كبرى، بينما تسهم نساء في رسم استراتيجيات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي في قطر والبحرين والإمارات. وفي الوقت ذاته، تقود عالمات ومفاوضات في قضايا المناخ ودبلوماسيات بارزات النقاشات العالمية في مؤتمر المناخ COP28 وما بعده. أما في لبنان وتونس والكويت، فتترأس النساء أقساماً جامعية وتدير مراكز بحثية، مما يمنحهن تأثيراً مباشراً في حوكمة المؤسسات الأكاديمية وصياغة السياسات الوطنية.
وبالتوازي مع ذلك، تشهد المؤسسات بدورها تغيرات داخلية ملموسة. فالشركات تعتمد اليوم معدات سلامة تراعي الفروق بين الجنسين، وتوسّع إجازات الأمومة والأبوة، وتطبق برامج تدريب لمكافحة التمييز، وتضع أهدافاً واضحة للتنوع، كما تطلق برامج قيادية مخصصة للنساء. صحيح أن التقدم ليس خطياً تماماً ولا تزال هناك تحديات، إلا أن الاتجاه واضح: المجتمعات العربية توسّع تعريفها للقيادة، والنساء أصبحن جزءاً لا غنى عنه من هذه القصة. ومع ازدياد حضور النساء في مجالات الإعلام والحكومة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، سيستمر هذا التحول في تغيير التصورات العامة.
أما القوة الثالثة التي تعيد تشكيل القيادة النسائية، فتتمثل في الانتشار المتسارع لتقنيات الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) في مجالات التعليم والتدريب المهني. وقد بدأت قوة هذه الأدوات تظهر بوضوح في أنحاء المنطقة. فطالبة طب سعودية تستطيع اليوم إجراء عمليات جراحية محاكاة واقعية قبل دخول غرفة العمليات الفعلية.
ومن خلال هذه التقنيات، لم يعد الوصول إلى المعدات باهظة الثمن أو المختبرات المتخصصة شرطاً أساسياً للتعلم. كما أنها تقلل من تأثير التحيزات غير الواعية عبر نقل عملية التعلم بعيداً عن حواجز التحكم التقليدية. وتوفر كذلك بيئات تدريب آمنة ومضبوطة للنساء في قطاعات كان الهيمنة الذكورية فيها تحدّ من مشاركتهن. وإضافة إلى ذلك، تمنح هذه التقنيات خبرات عملية واقعية دون القيود اللوجستية أو الثقافية التي كانت تحدّ في السابق من وصول النساء إلى الأدوار التقنية.
وفي هذا السياق، تعمل رؤية السعودية 2030 ومشاريع نيوم على توظيف التقنيات الغامرة لتدريب النساء في قطاعات مستقبلية مثل الروبوتات والتصميم الحضري والطاقة المتجددة. وفي الوقت نفسه، تطوّر شركات ناشئة في لبنان والأردن محتوى واقع افتراضي محلياً، بينما تستكشف مصر استخدام الأدوات الافتراضية في التدريب المهني ضمن قطاعات التصنيع والبناء.
وعند النظر إلى هذه القوى الثلاث مجتمعة، تتضح صورة واعدة للغاية. فنحن لا نشهد مجرد تقدم تدريجي، بل إعادة تصميم هيكلية لكيفية نمو النساء وقيادتهن ومساهمتهن في المجتمع. كما أن العالم العربي، بفضل سكانه الشباب، ورؤاه الوطنية الطموحة، واستثماراته الرقمية الاستراتيجية، إضافة إلى نسائه المتعلمات ومتعددات اللغات والمرنات، يقف على أعتاب تحول تاريخي.
وخلال السنوات المقبلة، سنشهد المزيد من النساء في مواقع الرؤساء التنفيذيين، ومؤسِسات الشركات، والدبلوماسيات، والعالمات، والمهندسات، وصانعات السياسات. كما سنرى حضوراً أكبر في ساحات الابتكار العالمية، وتأثيراً أعمق في المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي للمنطقة.
فالنساء اليوم لم يعدن ينتظرن مقعداً على الطاولة… بل أصبحن يبنين طاولات جديدة، ويصنعن نماذج قيادية مبتكرة، ويعيدن رسم ملامح المستقبل بشروطهن الخاصة.
ابقوا على تواصل معنا:
تابعونا على إنستغرام:
https://www.instagram.com/executivewomen_/
تواصلوا معنا عبر لينكدإن:
https://www.linkedin.com/company/executive-women/
أعجبوا بصفحتنا على فيسبوك:
https://www.facebook.com/ExecutiveWomen/
اقرؤوا المزيد من المقالات:
https://executive-women.global/en/a-transformative-era-for-womens-leadership-by-dr-nada-mallah-boustani/




